قال الحبر الأعظم في عظته إن الدراسة والبحث لا ينبغي أن يكونا من أجل المصلحة الشخصية وحدها، إذ لا بد أن يتحولا إلى خدمة للإيمان والحقيقة، ولخير الآخرين. واعتبر أن افتتاح السنة الأكاديمية بالاحتفال بالقداس يحمل في حد ذاته رسالة واضحة، وهي أن المعرفة ينبغي أن تُعاش باعتبارها عطية تُشارك مع الآخرين، وليس وسيلة لتحقيق النجاح الفردي أو التنافس.

في معرض حديثه عن الذكاء البشري، توقف البابا عند التحدي الذي تفرضه التكنولوجيا الحديثة، مشيراً إلى أن الخوارزميات تستطيع معالجة المعلومات بسرعة تفوق قدرة الإنسان. لكنه شدد على أن الذكاء البشري لا ينبغي أن يدخل في سباق مع التكنولوجيا على أساس السرعة، لأن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على ربط المعرفة بالذاكرة والتجارب الشخصية والمشاعر والقلب.

بعدها لفت لاون الرابع عشر إلى أن الإنسان لا يكتفي بجمع البيانات، بل يستطيع أن يتذكر ما عاشه، وأن يفهم معاني التجارب وتأثيرها في النفس. ومن هنا دعا طلاب الجامعات الحبرية إلى أن يجمعوا بين المعرفة والنضج الإنساني، وأن يحافظوا على الحس النقدي، وألا يقعوا ضحية الأفكار أو الخطابات التي تستغل الدين والمعرفة لتحقيق مصالح خاصة.

هذا ثم أكد البابا أن الدراسة الأكاديمية، ولا سيما في مجالات اللاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانية، يجب أن تبقى مرتبطة بخدمة الحقيقة داعياً الطلاب إلى أن يتذكروا دائماً أن ما يتعلمونه يمكن أن يكون في خدمة أشخاص آخرين، وأن العلم لا يكتمل إذا بقي محصوراً في صاحبه.

على صعيد آخر حذر الحبر الأعظم من مخاطر النرجسية والطموح المفرط والمنافسة داخل البيئة الأكاديمية. وقال إن الروتين والبحث عن المناصب والصراعات يمكن أن تستنزف طاقة الطلاب والباحثين، وتحوّل الشغف الأول بالمعرفة إلى حالة من الجفاف والحزن والتوتر. ولهذا دعا الجميع إلى العودة إلى الدافع الأول الذي دفعهم إلى الدراسة والبحث، وإلى “حفظ القلب”، باعتباره المكان الذي تبدأ منه الرغبة في المعرفة والخدمة.

لم تخل عظة البابا من الحديث عن أهمية الصداقة، لاسيما تلك التي تنشأ من خلال البحث المشترك عن الحقيقة، داعياً الطلاب إلى عدم الانغلاق على أنفسهم، وإلى مشاركة ما يحصلون عليه من فرص تعليمية مع من لا يملكون الفرص نفسها. وقال إن كثيرين في العالم محرومون من التعليم العالي، ولذلك فإن من يحصل على فرصة للتعلم يتحمل أيضاً مسؤولية مشاركة ما تعلمه وخدمة الآخرين.

بعدها توقف البابا عند إعادة بناء أسوار أورشليم، وفقا لنحميا، وشبّه الجامعة بورشة كبيرة يعمل فيها الجميع، ولكل شخص فيها دوره ومسؤوليته، مؤكدا أن مواجهة التحديات، ومن بينها تشتتُ المعرفة وتأثير التكنولوجيا على العقل والانتباه تحتاج إلى تعاون مختلف الاختصاصات. في هذا السياق دعا إلى “النظافة الحقيقية للانتباه”، أي اعتماد إيقاع في الحياة الجامعية يتيح الصمت والدراسة العميقة والقراءة والحوار الهادئ، والتفكير المتأني. وحذر من أن غياب هذه العناصر يمكن أن يؤثر على الحرية الداخلية للإنسان وقدرته على التركيز والتفكير المستقل.

هذا ثم أشار البابا إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه دراسة اللاهوت على هذا الصعيد، معتبراً أنها ليست منفصلة عن التحديات التي يواجهها العالم المعاصر، بل يمكن أن تشكل نقطة التقاء بين مختلف مجالات المعرفة وأن تساعد على إعطاء العمل الأكاديمي بعداً أوسع.

في الختام دعا لاون الرابع عشر الطلاب إلى الإفادة من وجود زملاء لهم من مختلف القارات، مشددا على عدم الاكتفاء بالجلوس إلى جانب بعضهم البعض إذ لا بد أن يلتقوا ويتحدثوا ويستمعوا إلى زملائهم، وأن يتبادلوا تجاربهم الكنسية والثقافية، ويصلّوا معاً ويبنوا صداقات يمكن أن تستمر طوال حياتهم. وأكد أن الجامعة تشكل مساحة للمعرفة والإنسانية والحوار والإيمان، وأن نجاحها الحقيقي يقاس أيضاً بقدرتها على بناء جسور بين أشخاص وثقافات مختلفة، وعلى وضع العلم في خدمة الآخرين والحقيقة.