عادة ما تُسبّب جائزة نوبل للآداب جموداً في الكتابة لدى كثير من الفائزين بها، فلا يصدر حائزها شيئاً بعد نيله لها، أو ينشر أعمالاً تفتقد تلك القيمة الفنية العالية لكتبه السابقة. صدور عمل جديد للروائي التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنح يعني عدم تعرّضه للعنة نوبل التي نالها قبل أربعة أعوام. الرواية الأخيرة “السرقة” (بلومزبيري، 2025)، صدرت معها 24 ترجمة إلى لغات عالمية، ومنها صدور ترجمتها الألمانية عن دار بنغوين.

شخصيات متناقضة

تدور أحداث الرواية الجديدة في دار السلام، العاصمة الاقتصادية لتنزانيا، والقريبة من زنجبار، في تسعينيات القرن الماضي. ولا يُقدّم قرنح المكان كأي مكان من أجل أن تجري فيه حيوات شخصياته القليلة والمختلفة، بل يُفكّك المكان، ويعود به إلى ماضيه وضعفه وقلة حيلته، شارحاً ما فعله الاستعمار في شقوق هذا المكان وأساساته وشعبه ومستقبله، مبيّناً دور السياحة في بناء أو هدم حياة المكان وناسه.

على هذه الرقعة ينثر الكاتب شخصيات بدر وكريم وفوزية؛ الشخصيات الأساسية في روايته الجديدة، ليروي ماضيها، ويتتبّع ما تعرّضت إليه من صدمات، ثم قراراتها في تأليف مسارات جديدة من أجل تغيير مصائرها الشخصية في وجه “القدرية”. 

من بين تلك الشخصيات يبدو بدر الأقل حظاً بينها، ومع ذلك يكون الأكثر حكمة كذلك. وهو شاب فقير ويتيم يعمل خادماً لدى العائلات الغنية، ثم يُطرد من عمله بتهمة السرقة، وهو ما يشي به عنوان العمل، ورغم العار والفضيحة يبحث بدر عن طريق جديدة، وينجح في ذلك.

يختلف كريم عنه، فهو من عائلة ميسورة ويعود إلى دار السلام بعد أن أنهى تعليمه في الخارج، بطموحات وبأفكار قوية لتحقيق مركزٍ يُحسد عليه. لذلك يصطدم بضعف بدر ورضاه، ويجده خنوعاً وجباناً.

ويمكن فهم موقف كريم الذي استطاع أن يتغلّب على جرحه العميق، عندما تركته والدته “راية” صغيراً لدى جديه بعد انفصالها عن زوجها الأول. لم تتركه من أجل العمل أو لمساعدتها في رعايته، بل تخلّت عنه نهائياً. هذا التخلّي لم يجعل كريم قنوعاً وراضياً، كما بدر، بما يترتب على ذلك من ضعف وتمزّق، بل حارب من أجل أن يردّ اللطمة إلى والدته، في أنها هي التي خسرته وليس العكس.

تُكمل فوزية تناقض شخصيّات قرنح، فهي صديقة بدر وحبيبة كريم، إذ تجمع الثلاثة طفولة قديمة، وتجد في علاقتها بكريم فرصة للهروب من سلطة عائلتها، والتي تخنق طموحاتها وأحلامها، ولكن علاقة الحب هذه تبقى متوترة بسبب شخصية كريم وسلطته. لا يتناول قرنح هذه الشخصيات بهذه المباشرة، بل بسرد مختلف السرعات والطبقات، مستخدماً الراوي العالِم الذي يُحرّكها في أزمنة وأمكنة مختلفة بسلاسة يُحسد عليها.

القضايا والمفاهيم الكبرى

صحيح أن عنوان الرواية يُحيل القارئ إلى الحادثة التي حصلت مع بدر، والتي لم يتم إثباتها أبداً، ولكن لا يتوقف الأمر، مع كاتبٍ مثل عبد الرزاق قرنح، على ذلك؛ إذ يُمكن إسقاطه كذلك على المكان وما تعرّض له في زمن الاستعمار البريطاني، وللإشارة إلى الفساد الذي تفشّى في زنجبار وتنزانيا مع التطور العمراني لاستقبال السيّاح.

رواية مشبعة بالألم والفقدان ولكنها لا تقع في اليأس 

ومن خلال العودة إلى أعماله السابقة، نجد أن “القضايا الكبرى” لم تغب عن أعماله، فنجد مآلات الاستعمار في رواية “جنة” (1994)، والعلاقات بين الشرق والغرب في روايته “الهجر” (2005)، وقضايا الهجرة والحنين في رواية “الهدية الأخيرة” (2011)، أو رواية “قلب من حصى” (2017)، التي تناولت الصراعات العائلية والهويات المتعددة، بينما تناولت روايته “ما بعد الموت” (2020)، تأثيرات الاستعمار على الأفراد والمجتمع. 

ورغم ثقل المواضيع الكبرى على أي عمل إبداعي، وتأثيرها السلبي في كثير من الأحيان، إلا أن قرنح يحافظ على أسلوبه الفنّي باستخدام الجمل الطويلة، والهدوء والبطء في السرد، والتنقّل بسلاسة بين حكايات الشخصيات وحكايات المكان، مبتعداً عن المباشرة.

ورغم أن روايته الجديدة مشبعة بالألم والفقدان ولكنها لا تقع في اليأس، وتقدّم مواجهات بين الصداقة والخيانة، وبين البسيط والمبهرج، وبين القدر والقرارات الشخصية وبالتأكيد عن صراع الطبقات الذي لا ينتهي.

كانت الرواية الأولى لقرنح “ذاكرة الرحيل” (1987)، قاسية وعنيفة، وقدّم فيها مصائر دموية صدمت القارئ الغربي حينها، ثم بدأ يتخفّف منها نوعاً ما في أعماله اللاحقة. وربما هذا ما يُثير الانتباه، وربما التساؤل، في عدم نيل روايات عبد الرزاق قرنح جوائز مهمّة قبل حصوله على نوبل للأدب عن مجمل أعماله، سوى نيل روايته “على البحر” جائزة الشاهد على العالم الفرنسية، بينما وصلت روايته “الجنة” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر، و”على البحر” لقائمتها الطويلة.

رواية “السرقة” تعتبر عودة قوية لصاحب رواية “الإعجاب بالصمت” (1996)، إذ يُقدّم قرنح رواية محلية في العادات والتقاليد والهوية، وعالمية في تناولها الإنساني، لتكون دراما عائلية محكمة البناء ومليئة بالتحوّلات. وربما التعبير الأفضل ما قالته الناقدة الألمانية أندريا تسوليجير، من خلال مراجعتها للرواية في آخنير تسايتونغ، بأن “عبد الرزاق قرنح يكتب كما لو أن القارئ يصغي إليه مباشرة”.

* كاتب سوري مقيم في ألمانيا