مع اتساع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، يعود سؤال قديم في الفكر العسكري ليطل برأسه من جديد: هل تستطيع القوة الجوية، مهما بلغت دقتها وكثافتها، أن تحسم مصير نظام سياسي؟

توحي قراءة تجمع بين تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال وتحليل للكاتب الأمريكي هال براندز في وكالة بلومبيرغ بأن الإجابة أبعد ما تكون عن الحسم.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

وتشير القراءة العامة للتجارب العسكرية إلى أن الضربات الجوية قد تلحق أضرارا فادحة بالخصم وتضعف قدراته العسكرية، لكنها نادرا ما تكون كافية وحدها للوصول إلى النتيجة السياسية التي تسعى إليها الحروب.

وبحسب تقرير وول ستريت جورنال، فإن التجربة العسكرية الحديثة لا تقدم مثالا واضحا على نظام أُطيح به واستُبدل بغيره عبر القصف الجوي وحده.

فقد أسقطت الولايات المتحدة حكومات في حروب سابقة، لكن تلك العمليات -كما تشير الصحيفة- لم تنجح إلا عندما اقترنت بوجود قوات على الأرض، سواء كانت أمريكية أو محلية.

وتضيف الصحيفة أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب ربط منذ الأيام الأولى للحرب بين الحملة الجوية وإمكانية تغيير النظام في إيران. فبعد ساعات من بدء الضربات دعا الإيرانيين إلى التمرد، معتبرا أن اللحظة قد تكون “فرصتهم الوحيدة لأجيال”.

لكن التقرير يذكر أيضا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية بدت أكثر حذرا في رسم أهداف الحرب، إذ شدد القادة العسكريون في تصريحاتهم العلنية على أن الهدف المباشر يتمثل في تدمير القدرات الهجومية الإيرانية، أي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية، فضلا عما تبقى من برنامجها النووي.

ويكشف هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري إشكالية أعمق. فالمعطيات الواردة في تقرير وول ستريت جورنال توحي بأن القوة الجوية قد تكون أداة فعالة لإضعاف إيران عسكريا، لكنها لا تقدم ضمانة لإسقاط النظام نفسه، وهو ما تشير التجربة التاريخية إلى أنه نادر الحدوث.

اختبار صمود النظام الإيرانيTEHRAN, IRAN - MARCH 7: People hold flags and banners at a protest by medical professionals outside Gandhi Hospital, which was damaged in an airstrike earlier in this week, on March 7, 2026 in Tehran, Iran. The United States and Israel continued their joint attack on Iran that began on February 28. Iran retaliated by firing waves of missiles and drones at Israel, and targeting U.S. allies in the region. (Photo by Majid Saeedi/Getty Images)حتى بعد الضربات والاغتيالات، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تصدع النظام الإيراني (غيتي)

وبحسب تقرير صحيفة وول ستريت جورنال، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تصدع بنية النظام الإيراني، حتى بعد مقتل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في ضربة جوية. فقد تحركت مؤسسات الحكم بسرعة، إذ اجتمع مجلس الخبراء واختار نجله آية الله مجتبى خامنئي خلفا له.

وتشير الصحيفة إلى أن البنية الأمنية والعسكرية التي يقوم عليها النظام لا تزال قائمة. فالحرس الثوري يضم نحو 190 ألف عنصر، إلى جانب أكثر من 300 ألف جندي في الجيش النظامي، فضلا عن 600 ألف عنصر من الباسيج الذين يمكن للنظام تعبئتهم عند الحاجة، وفق بيانات نقلها التقرير عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية.

كما نقلت الصحيفة عن خبراء أن أي انهيار فعلي للنظام قد يتجلى عبر مؤشرات مثل انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية أو رفض تنفيذ الأوامر، أو عبر اضطرابات اجتماعية واسعة مثل إضرابات عمال النفط.

بيد أن بعض الخبراء يرون -وفق التقرير- أن مؤشرات كهذه لم تظهر حتى الآن، وقد لا تظهر بسهولة، لأن النخب المرتبطة بالنظام ترى في بقائه ضمانا لمصالحها.

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن الضربات الجوية قد تضعف الدولة الإيرانية، لكنها لا تضمن بالضرورة إسقاط النظام، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدا يتمثل في بقاء النظام السياسي، في حين تتعرض مؤسسات الدولة لأضرار كبيرة.

حدود النظرية الجويةSmoke rises following a strike on the Bapco Oil Refinery, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, on Sitra Island Bahrain, March 9, 2026. Picture taken with a mobile phone. REUTERS/Stringer TPX IMAGES OF THE DAY REFILE - UPDATING LOCATION IN HEADLINEتاريخ الحروب يشير إلى أن القصف الجوي قد يدمر الخصم، لكنه نادرا ما يحسم مصير الأنظمة (رويترز)

ويعيد تقرير وول ستريت جورنال النقاش إلى جذوره الفكرية، مشيرا إلى أن فكرة الحسم عبر القصف الجوي تعود إلى الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه الذي طرح في عشرينيات القرن الماضي نظرية تقول إن ضرب “المراكز الحيوية” للدولة -مثل الصناعة والاتصالات- قد يكسر إرادة المجتمع ويؤدي إلى الاستسلام.

لكن التجارب التاريخية اللاحقة، كما يوضح التقرير، لم تثبت صحة هذه الفرضية بالكامل. فالقصف الجوي أسهم في إضعاف ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكن العامل الحاسم، إذ حُسمت الحرب عبر الهجوم البري للحلفاء.

كما يشير التقرير إلى أن العمليات الجوية في حرب الخليج عام 1991، رغم كثافتها، لم تنه الحرب إلا بعد هجوم بري قصير.

ويذكر كذلك أمثلة لاحقة مثل حرب كوسوفو عام 1999 أو التدخل في ليبيا عام 2011، حيث لعبت القوة الجوية دورا مهما، إلا أنها لطالما كانت مرتبطة بوجود قوى محلية على الأرض أو بتهديد جدي بالتدخل البري.

استعراض قوة.. واحتمالية الاستنزاف

أما تحليل براندز في بلومبيرغ، فيتجاوز ميدان المعركة ليضع الحرب في سياقها الإستراتيجي الأوسع. فالحملة ضد إيران، في رأيه، تكشف في الوقت نفسه عن مواطن قوة الولايات المتحدة، ونقاط ضعفها.

فمن ناحية، يرى براندز أن الحملة العسكرية تستعرض قدرة واشنطن على توظيف قوتها الضاربة بعيدة المدى والعمل مع حلفاء عسكريين مؤثرين مثل إسرائيل. كما أن هذا الاستعراض للقوة قد يعزز صورة الردع الأمريكية ويجعل الخصوم يعيدون حساباتهم، بحسب رأيه.

لكن براندز يحذر في المقابل من أن الردع لا يعتمد على الصورة الذهنية وحدها، بل على الموارد العسكرية الفعلية أيضا.

ويشير في مقاله إلى أن الحرب استهلكت كميات كبيرة من صواريخ توماهوك والذخائر الدقيقة، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي المستخدمة لاعتراض الرد الإيراني.

ويضيف أن الولايات المتحدة ربما استخدمت في الأيام الأولى من الحرب كميات من هذه الصواريخ تعادل عدة أضعاف الإنتاج السنوي لبعضها، مما يثير تساؤلات حول قدرة المخزونات العسكرية الأمريكية على تحمل صراع طويل.

والضغط لا يقتصر على الذخائر فقط، وفقا لبراندز، بل يمتد إلى المعدات والقوات أيضا. فانتشار القوات في المنطقة يفرض ضغطا على الأسطول الأمريكي، بما في ذلك حاملة الطائرات جيرالد فورد التي تشارك في واحدة من أطول عمليات الانتشار المتواصل في تاريخ البحرية الأمريكية.

كما يرى الكاتب أن المشكلة تكمن في أن الجيش الأمريكي ليس مُصمما لخوض عدة حروب كبرى في الوقت نفسه، وأن القاعدة الصناعية الدفاعية قد لا تستطيع تعويض الذخائر المتطورة بالسرعة المطلوبة إذا طال أمد الحرب.

معضلة الإستراتيجية الأمريكيةU.S. President Donald Trump salutes as members of the military carry a transfer case during a dignified transfer of the remains of six U.S. Army service members of the 103rd Sustainment Command, who were killed in Kuwait, Major Jeffrey O'Brien, Capitain Cody Khork, Chief Warrant Officer 3 Robert Marzan, Sergeant 1st Class Nicole Amor, Sergeant 1st Class Noah Tietjens and Sergeant Declan Coady, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, at Dover Air Force Base in Dover, Delaware, U.S., March 7, 2026. REUTERS/Nathan Howard TPX IMAGES OF THE DAYقد تعزز الحرب الردع الأمريكي، لكنها في المقابل تستنزف القدرات العسكرية التي تحتاجها واشنطن في صراعات أخرى (رويترز)

ويحذر براندز في مقاله من أن هذه الضغوط تأتي في لحظة إستراتيجية حساسة. فبحسب الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية، تمثل الصين التحدي الرئيسي للولايات المتحدة، خصوصا في حال نشوب صراع مع تايوان.

لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يستنزف الموارد العسكرية التي تحتاجها واشنطن في تلك المواجهة المحتملة. فكل صاروخ يُطلق في الخليج -بحسب براندز- يزيد من الفجوة في المخزونات العسكرية الأمريكية التي قد تكون ضرورية في صراع أكبر في المحيط الهادي.

في المحصلة، لا يقدم تقرير وول ستريت جورنال ولا تحليل هال براندز حكما نهائيا على مسار الحرب، إذ تبقى نتيجة الرهان على القوة الجوية رهنا بما ستكشفه الأسابيع المقبلة.

فإذا انتهت الحرب سريعا وخرجت إيران ضعيفة إلى حد يعطل قدرتها على تهديد المنطقة، فقد يرى أنصار الحملة أن الضربات الجوية حققت أهدافها.

أما إذا صمد النظام رغم الخسائر، أو تحولت الحرب إلى مواجهة طويلة تستنزف الموارد الأمريكية، فقد يتضح أن الرهان على القوة الجوية لم يكن بالبساطة التي بدا عليها في بدايته.

فالقوة الجوية، كما توحي به التجارب التي يستعرضها التقرير والتحليل، قادرة على تدمير الكثير من القدرات العسكرية، لكنها لا تبدو كافية وحدها لصناعة النظام السياسي الذي قد يأتي بعد الحرب.