Published On 11/3/202611/3/2026
|
آخر تحديث: 00:54 (توقيت مكة)آخر تحديث: 00:54 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في المستشفى تقف أم عاجزة، تبكي وترفض أن تترك ابنها الرضيع وحيدا داخل “الحضانة”. تتوسل إلى الأطباء، وتلوذ بالدعاء متضرعة إلى الله أن يحمي طفلها الصغير الذي يصارع المرض في أسابيعه الأولى، ومستعدة لأن تتحمل هي الألم بدلا منه.
في هذا المشهد المؤثر تجسد الممثلة ريهام عبد الغفور في مسلسل “حكاية نرجس” مشاعر الأمومة الممزوجة بالخوف والعجز، وتنجح في كسب تعاطف المشاهد منذ اللحظات الأولى.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
لكن هذه الأم التي نراها خائفة على رضيعها، سرعان ما تكشف الحكاية عن وجه آخر مظلم لها، مستلهم من قصة امرأة حقيقية عرفها المصريون قبل أكثر من عقد باسم صادم أطلقته عليها الصحف: “بنت إبليس”.
هكذا، لا يقدم المسلسل حكاية درامية فحسب، بل يستدعي من أرشيف الحوادث واحدة من أكثر قضايا خطف الأطفال حديثي الولادة إثارة للصدمة في مصر، ويعيد طرح أسئلة قاسية عن الأمومة عندما تنحرف عن مسارها الطبيعي.
“بنت إبليس”.. القصة التي ألهمت الدراما
في تجربة درامية أولى للمخرج سامح علاء، الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه القصير “ستاشر”، يستلهم مسلسل “حكاية نرجس” أحداثه من الواقع، وتحديدا من قصة امرأة تدعى عزيزة، ارتبط اسمها بإحدى أخطر قضايا خطف الأطفال حديثي الولادة في مصر، وحملت في الصحافة لقب “بنت إبليس”.
في القضية الأصلية، التي حكم فيها على صاحبتها بالسجن لمدة سبع سنوات، عانت عزيزة من عيب خلقي يمنعها من الإنجاب، وهو ما دفعها إلى اللجوء إلى حيلة صادمة لإخفاء هذا الأمر عن المجتمع. كانت توهم من حولها بأنها حامل، مستخدمة القطن والقماش أسفل ملابسها لتبدو بطنها منتفخة، وتحسب الشهور بدقة حتى يصدق الجميع قصة حملها.
وعندما تقترب من “الشهر التاسع”، تبدأ في تنفيذ خطتها، فتتردد على المستشفيات أو المناطق الشعبية بحثا عن طفل حديث الولادة يمكن خطفه. وفي بعض الأحيان كانت تنتحل صفة موظفة في جهة حكومية، وتقنع الأمهات بترك الطفل لدقائق “لإنهاء بعض الإجراءات”، لتختفي بعدها فجأة ومعها الرضيع.
بهذه الطريقة تمكنت عزيزة من خطف أكثر من طفل من محافظات مختلفة، قبل أن تسقط في قبضة الشرطة، فتتحول قصتها إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للصدمة، وتصبح لاحقا مصدر إلهام لعمل درامي يعيد طرح حكاية قاسية عن أمومة مزيفة، وجريمة تختبئ خلف رغبة جامحة في أن تصبح امرأة “أمًّا” بأي ثمن.
تفاعل واسع مع “حكاية نرجس”
بمجرد عرض المسلسل في النصف الثاني من السباق الرمضاني عام 2026، لاقى “حكاية نرجس” تفاعلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بين إشادات قوية بأداء أبطاله ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي وسماح أنور وعارفة عبد الرسول وأحمد عزمي، ونقاشات حول طبيعة الشخصية الرئيسية وطريقة تقديمها.
فبعد عرض الحلقات الأولى، أشادت الفنانة منى زكي بتجسيد ريهام عبد الغفور للشخصية، وكتبت عبر خاصية القصص المصورة على إنستغرام: “إيه يا شيخة.. بصوت أستاذ سعيد صالح”.
أما الممثلة التونسية عائشة بن أحمد فكتبت على فيسبوك: “تحفة فنية.. ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي”.
أما الناقد السينمائي محمود عبد الشكور فاعتبر أن اختيار ريهام عبد الغفور للدور كان موفقا للغاية، لأنها -بحسب وصفه- ممثلة يمكنها أن تظهر “نظرة شيطان في وجه ملائكي”، ولعل الحكاية بأكملها تدور حول هذه الازدواجية المخيفة داخل الإنسان.
ويضيف أن ريهام تظهر في إحدى لقطات “حكاية نرجس” بعد أن تتسبب الشخصية في موت حماتها، بنظرة تكتسب قسوتها المضاعفة من كونها ترتسم على وجه شديد البراءة. ويبرز هنا التأثير المروع لتصرفات شخصية لا يردعها شيء في سبيل تحقيق ما تريد، في تناقض مستمر بين البراءة الظاهرية والشر الداخلي المؤسس على تعقيدات نفسية عميقة.
تعرية المجتمع وكشف تناقضاته
في الوقت الذي حصد فيه العمل إشادات واسعة على مستوى الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي، انتقده البعض بسبب تصدر شخصية سلبية لأحداثه. وهو ما يفتح باب التساؤل: هل من الضروري أن يقدم الفن نماذج إيجابية فقط، أم أن دوره الحقيقي هو كشف تعقيدات النفس البشرية بكل ما تحمله من تناقضات؟
الناقدة الفنية صفاء الليثي تقول للجزيرة نت إن بطلة المسلسل تقوم بأفعال “سيئة” بوضوح، على عكس الصورة الكلاسيكية للبطل “المثالي”. لكن هذا الخيار -برأيها- ليس عبثيا، بل مقصودا لتعرية المجتمع عبر تحليل شخصية نرجس، والذهاب إلى جذور ما فعلته لا إلى سطح الجريمة فقط.
وتشير إلى أن نرجس تتعرض لسلسلة من الضغوط والتنمر، سواء من أمها أو من حماتها، بسبب عدم الإنجاب.
عبارات جارحة مثل: “إنتي بتتنكي على إيه، إنتي لا مال ولا جمال”، ليست مجرد “إفيه درامي”، بل تلخيص لضغوط حقيقية تعيشها نساء كثيرات في مجتمعاتنا، ويعكس حجم القسوة التي قد يتعرض لها الإنسان حتى من أقرب الناس إليه.
وترى أن المسلسل لا يبرر أفعال البطلة بل يحاكم مجتمعا يحاسب الأفراد على ما لا يملكونه: من لا يملك المال، أو من حرم من الإنجاب، أو من ولد بعيب خلقي. وتقول إن العمل يذكرنا أيضا بضغوط أخرى مثل تفضيل الابن السليم على الابن الذي يعاني إعاقة، والخوف الاجتماعي من لقب “عانس”، وما قد يدفع إليه من تنازلات قاسية فقط للهروب من نظرة الناس.
الناقدة الفنية المصرية صفاء الليثي (الجزيرة)
من هنا، يصبح “حكاية نرجس” -وفق الناقدة المصرية- شهادة على مجتمع قاس في أحكامه، يتدخل في أسباب الطلاق ويبرر زواج الرجل من أخرى من أجل الإنجاب، ويظل في حالة عدم رضا دائم، كأن الناس في قفص اتهام مستمر.
وتؤكد أن المسلسل لا يبحث عن “الصدمة” من أجل الجدل، بقدر ما يطلق إنذارا عن خطورة التنمر والضغط الاجتماعي وكيف يمكن أن يدفع بعض الأفراد إلى مسارات مدمرة. في الوقت نفسه، تشدد على أن “الرضا بما قسمه الله” يظل عنصرا غائبا عن شخصية نرجس، وغيابه -في رأيها- جزء من الطريق الذي قادها إلى الهاوية.
في النهاية، لا يبرئ “حكاية نرجس” مجرمة خطفت أطفالا من أذرع أمهاتهم، لكنه يضعنا أمام مجتمع قاس يدفع بعض أفراده إلى حافة الهاوية، حتى تنفجر الحكاية في صورة جريمة.
