Published On 9/4/20269/4/2026

|

آخر تحديث: 15:39 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:39 (توقيت مكة)

بيروت – في كل مرة يشتعل فيها نزاع في المنطقة، تتجه الأنظار إلى مواقف النجوم والمشاهير بوصفهم جزءا من الرأي العام المؤثر وصناع المزاج الشعبي. في عدد من الدول العربية تبدو الصورة أكثر وضوحا، إذ يصطف الفنانون علنا خلف بلدانهم، وتتحول حساباتهم على مواقع التواصل إلى منصات دعم وتعبئة معنوية، في تعبير يقرؤه الجمهور في إطار الانتماء الوطني المباشر.

في لبنان، يبدو المشهد أكثر التباسا، إذ تحكمه تعقيدات داخلية تجعل التعبير العلني أكثر حساسية. تتداخل السياسة بالطائفة، والانتماء بالاصطفاف، وهو ما يضع الفنان أمام معادلة دقيقة: كيف يعبر عن تضامنه مع وطنه من دون أن يحسب على طرف سياسي بعينه؟

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

برزت هذه الإشكالية بوضوح خلال حرب عام 2024، حين اختار عدد كبير من النجوم التزام الصمت أو الاكتفاء بعبارات عامة تجنبا لأي تأويل سياسي. فإعلان التعاطف مع الضحايا قد يقرأ على أنه تأييد لجهة سياسية، فيما يفسر الصمت على أنه تخل أو حتى خيانة.

الدعاء كملاذ آمن

في ظل هذا المناخ، برزت لغة الدعاء كأكثر أشكال التعبير شيوعا بين النجوم اللبنانيين. فهي مساحة آمنة لا تحمل صاحبها موقفا سياسيا واضحا، وتسمح له في الوقت نفسه بإظهار التعاطف.

الفنان راغب علامة كتب عبر منصة إكس: “اللهم نستودعك وطننا الجريح لبنان، نصلي من أجل الوطن والشعب والأبرياء، احفظه يا رب من الشر والغدر”.

صيغة تجمع بين الألم والدعاء، من دون الدخول في أي توصيف سياسي. وكذلك فعلت الفنانة سيرين عبد النور التي اختصرت موقفها بجملة: “يا رب احمي لبنان، ما إلنا غيرك”.

بهذه الصيغة، يتحول الدعاء إلى موقف مشترك تقريبا، وإلى طريقة لتجنب فخ التصنيف الحاد.

رسائل رمزية بلا تصريح مباشر

بعض النجوم اختاروا مسارا مختلفا يقوم على تمرير الرسائل بشكل غير مباشر. الفنانة نانسي عجرم قدمت نموذجا واضحا لهذا الأسلوب، حين نشرت فيديو من شوارع بيروت التي امتلأت بخيم النازحين، مرفقا بأغنيتها “إلى بيروت الأنثى مع الاعتذار”، وعلقت: “إن كونا ليس لبنان فيه، سوف يبقى عدما أو مستحيلا”.

الرسالة عاطفية واضحة في مضمونها، لكنها خالية من أي تصريح سياسي مباشر، لا تتبنى موقفا، ولا تسمي طرفا، لكنها في الوقت نفسه لا تلتزم الصمت، في محاولة للموازنة بين الحضور الإنساني وتجنب الاصطفاف.

إليسا.. كسر الحذر والتصريح المباشر

في مقابل هذا الحذر العام، تبرز الفنانة إليسا كحالة مختلفة، فهي من بين القلائل الذين لا يترددون في إعلان مواقفهم السياسية بشكل صريح. منذ بداية الحرب، عبرت عن موقفها بوضوح، وكتبت: “يا رب احمينا وحاسب كل حدا وصل لبنان وشعبه لهون”، في رسالة تتضمن تحميلا للمسؤولية. كما واصلت انتقادها العلني لحزب الله، معتبرة أن سياساته “تجر لبنان إلى الدمار”.

وأثارت الجدل أيضا بموقفها من مسألة النازحين، حين كتبت: “التعاطف واجب، لكن فرض واقع خطير على اللبنانيين بين منازلهم ليس إنسانية، بل تعد على أبسط حقوقهم”، معتبرة أن إنشاء مخيمات عشوائية داخل الأحياء السكنية يهدد الاستقرار. هذا الوضوح في الموقف يجعلها عرضة دائمة للانتقادات، لكنه يضعها أيضا خارج دائرة الالتباس التي تحيط بمواقف كثير من زملائها.

كارول سماحة.. إعادة طرح سؤال الوطنية

الفنانة كارول سماحة اختارت مقاربة مختلفة تميل إلى تفكيك الخطاب السائد بدل الانخراط في اصطفاف مباشر. فقد كتبت: “إذا حدا قال ما يتنازل عن جنوب لبنان يتهم بأنه إيراني، وإذا قال ما كان لازم يدخل حزب الله بالحرب يتهم بأنه صهيوني، بصراحة ضاع مفهوم الوطنية ببلدنا”.

بهذا الطرح، تضع سماحة يدها على جوهر الأزمة: لم يعد هناك تعريف واحد للوطنية، بل بات كل موقف يفسر وفق الخلفية السياسية للمتلقي. وفي منشوراتها حاولت الحفاظ على توازن واضح، مؤكدة وحدة الأراضي اللبنانية من دون الانخراط في خطاب تحريضي أو انقسامي.

جوليا بطرس.. الصمت الذي يثير الأسئلة

الفنانة جوليا بطرس، المعروفة بتاريخها الحافل بالأغاني الوطنية، اختارت الصمت خلال هذه الحرب، وهو صمت لم يمر من دون ملاحظات. فالجمهور في كل مرة تلتزم فيها الصمت يعود ليطرح الأسئلة ذاتها مستعينا بأغنيتها “وين الملايين!”.

في الحرب السابقة، وبعد فترة من الغياب، نشرت بطرس فيديو وهي تؤدي أغنية “غابت شمس الحق”، مرفقا بعبارة “يا حبيبي يا جنوب، يا حبيبي يا لبنان”. وفي هذه الحرب اتبعت الأسلوب نفسه، إذ أعادت نشر الفيديو وأرفقته بتعليق: “الجنوب لنا”، في خطوة قرأها البعض كتضامن متأخر أو “رفع عتب”، بما يعكس حجم الحرج الذي يواجهه الفنانون المرتبطون تاريخيا بخطاب سياسي واضح.

نجوى كرم ووائل كفوري.. عموميات تحفظ المسافة

على الضفة الأخرى، يفضل بعض النجوم الابتعاد عن السياسة بشكل شبه كامل، مفضلين استخدام لغة عامة تقوم على الأمل والتمني. الفنانة نجوى كرم استغلت مناسبة عيد الفطر لتكتب نصا أقرب إلى الشعر، تحدثت فيه عن اشتياق اللبنانيين للأمان، وعن الإيمان بعودة الضوء والاستقرار.

بدوره، اكتفى الفنان وائل كفوري بمعايدة تتضمن تمنيات بالسلام، من دون الدخول في أي سياق يتجاوز العموميات. هذا النوع من الخطاب يحافظ على المسافة الآمنة، لكنه يطرح أيضا تساؤلات حول حدود الدور المتوقع من الفنان في لحظات الأزمات.

حرب بلا أغان وطنية

إلى جانب المواقف الفردية، يبرز غياب شبه كامل للأعمال الفنية المرتبطة بالحرب، فلا أغان وطنية جديدة، ولا إنتاجات فنية تعكس المرحلة، في وقت كان فيه هذا النوع من التعبير حاضرا بقوة في محطات سابقة.

في المقابل، ظهرت بعض المبادرات الفردية في مجال الدعم الإنساني. متعهد الحفلات عماد قانصو كشف عن إطلاق حملة تبرعات، مشيرا إلى أن بعض الفنانين شاركوا فيها، من بينهم ملحم زين ومروان خوري وفارس كرم وعاصي الحلاني ونانسي عجرم ونجوى كرم، فيما رفض آخرون المشاركة، مؤكدا أن الفنانة إليسا لم تتجاوب، في وقت تم تداول معلومات عن تقديمها مساعدات بشكل غير معلن في محاولة للفصل بين العمل الإنساني والاستثمار الإعلامي.

وبين الدعاء والصمت والرمزية والتصريح المباشر، تتوزع مواقف النجوم في لبنان ضمن هامش ضيق تحكمه حسابات دقيقة. ولا يعكس هذا التباين بالضرورة غياب الموقف، بقدر ما يعكس طبيعة بلد يصبح فيه التعبير نفسه جزءا من الانقسام.