في يوم الخميس، 7 أبريل (نيسان) عام 1966 وعلى مسرح سينما قصر النيل غنّت كوكب الشرق أم كلثوم رائعتها الخالدة “الأطلال” لأول مرة.

وفي مثل هذه الأيام، تمر ستون عاماً على أول مرة يستمع فيها العالم العربي إلى هذا العمل الفني، والذي لايزال إلى اليوم واحداً من أهم الأعمال في الموسيقى العربية وشاهد على ما وصلت إليه عبقرية المؤلف والملحن والمطرب والفرقة الموسيقية الذين كانوا خلف هذا العمل غير العادي.

من المعروف أنه في حياة كل مبدع عمل فني يصل فيه إلى ذروة مجده وإبداعه، وعلى مر التاريخ هناك مئات الأمثلة: موناليزا دافنشي، لوحة الخلق في سقف كنيسة السستين لمايكل أنجلو،  إدفارد مونش (أو إدفارت مونك) بلوحته الأيقونية “الصرخة”، السمفونية التاسعة لبيتهوفن، و”قداس الموت” (Requiem) لموتسارت وغيرها.

 صورة أرشيفية لسيدة الغناء العربي أم كلثومولدت أم كلثوم (فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي) في 30 ديسمبر وتوفيت في 3 فبراير 1975. ولاتزال إلى الآن أعظم مغنية عربية على مر العصور.صورة من: Pictures From History/imageBROKER/picture alliance

وفي العالم العربي ستجد الكثير من هذه الأمثلة، منها لوحة السيرك لأدهم وائلي، تمثال نهضة مصر لمحمود مختار، حاول تفتكرني عبد الحليم ، ألف ليلة وليلة والحب كله بليغ حمدي، النهر الخالد وكليوباترا محمد عبد الوهاب وغيرها. ورغم أن لأم كلثوم في هذا السياق الكثير من الأعمال الإبداعية لكن قلما تجد خلافاً حول كون الأطلال هي ذروة نضج وتألق واكتمال موهبة أم كلثوم، ساعدها في ذلك وصول رياض السنباطي وإبراهيم ناجي في الوقت نفسه لذروة إبداعهما.

حب ضائع وراء الإبداع الشعري

“يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً من خيالٍ فهوى”
“إسقني وأشرب على أطلاله.. وأروِ عني طالما الدمع روى”
“كيف ذاك الحب أمسى خبراً.. وحديثاً من أحاديث الجوى”

كان الطبيب والشاعر إبراهيم ناجي يأمل أن ينجح في إقناع “أم كلثوم” لتتغنى بإحدى قصائده. حاول كثيراً حتى قالت له: “شعرك جيد لكنه لا يصلح للغناء”. انتقلت الأغنية من فنان وملحن إلى آخر، حيث غناها محمد صادق عام 1935، كما غنتها المطربة نجاة علي بلحن للعبقري محمد فوزي عام 1955، لكن الأطلال التي غنتها أم كلثوم كانت أمراً آخر.

لم يتوقف ناجي عن محاولاته وكأنه كان يدرك في قرارة نفسه أنه حتى مع شهرته كشاعر أريب، إلا أن غناء أم كلثوم لواحدة من قصائده هو شهادة خلود. توفي إبراهيم ناجي في 27 مارس عام 1953 وكانت أم كلثوم قد قررت غناء الأطلال، وقد طلبت بعض التعديلات ووافق عليها ناجي قبل وفاته. لم يعش إبراهيم ناجي ليرى أمنيته تتحقق ويخلد اسمه في التاريخ.

وهناك الكثير مما يُروى عن الأسباب التي دفعت إبراهيم ناجي لكتابة هذا العمل الشعري العميق، واتفقت أغلب الآراء على أن حباً عظيما فقده ناجي في فترة من حياته وأثر فيه بشكل كبير هو ما دفعه لكتابة هذه الكلمات الخالدة.

و”الأطلال” هي جزء من ديوان الدكتور إبراهيم ناجي. اختارت أم كلثوم والموسيقار رياض السنباطي 32 بيتاً بعناية فائقة من قصيدتين مختلفتين لناجي، هما “الأطلال” و”الوداع”، لنسج هذا العمل المعقد.

خضعت كلمات الأغنية لتعديلات دقيقة ومتكررة لضمان أقصى درجات التأثير الفني واللغوي. فمثلاً كانت البداية المقترحة “يا فؤادي رحم الله الهوى”، وعُدّلت إلى “لا تسل عن الهوى”، ثم استقر الرأي أخيراً على “يا فؤادي لا تسل أين الهوى”.

أفضل أغنية عربية في القرن العشرين

“يا حبيباً زرت يوماً أيكه.. طائر الشوق أغني ألمي”
“لك إبطاء المذل المنعم.. وتجني القادر المحتكمِ”
“وحنيني لك يكوي أضلعي.. والثواني جمرات في دمي”

 

في عام 1966 وبعد تعديلات قام بها الشاعر أحمد رامي استقبل العالم ما عرف لاحقاً بـ “أفضل ما تم غناؤه في الموسيقى العربية في القرن العشرين”. ومع مطلع الألفية الجديدة، أطلقت صحيفة لوموند الفرنسية -بالتعاون مع سلسلة المتاجر الشهيرة  la Fnac المتخصصة في بيع المنتجات الثقافية و قناة “كانال بلوس” (Canal+)- استفتاء لاختيار أفضل مئة (كتاب وأغنية و فيلم سينمائي) من الأعمال التي صبغت القرن العشرين حول العالم.

وفي عددها الذي صدر يوم 15 أكتوبر 1999 نشرت الجريدة نتائج استفتاء شارك فيه الآلاف لتأتي “الأطلال” ضمن أفضل 100 أغنية في العالم، جنباً إلى جنب مع السيمفونية التاسعة لبيتهوفن والرابعة والخامسة والسادسة لتشايكوفسكي.

عبقرية السنباطي وقصة خلاف وندم

إلى جانب موهبته الخارقة في التلحين عموماً، يعد السنباطي رائداً في مجال الترميز الموسيقى، بمعنى القدرة على التعبير عن وقع الكلمات بالألحان. فمثلاً عند التعبير عن مقدار الحب والآمال والأحلام التي كانت لدى إبراهيم ناجي عن مستقبله مع حبيبته كانت كلمة الصرح وهو بناء شامخ يتطلع إليه الشخص صاعداً بعينيه إلى الأعلى ولا يستطيع أن يصل الى نهاية هذا البناء، وهنا استعمل السنباطي المد مع كلمتي (كان صرحاً) ليعطي هذا الشعور بارتفاع هذا الصرح، ثم جاءت كلمة “فهوى” سريعة الإيقاع دلالة على سرعة الانهيار، ويمكن القياس على هذا المثال على طول الأغنية.

لم تخلُ رحلة خروج الأطلال إلى النور من التحديات، فقد شهدت فترة إعداد الأغنية خلافاً فنياً حاداً بين أم كلثوم والسنباطي، امتد لثلاث سنوات كاملة، توقف خلالها التعاون بينهما. كان أساس هذا الخلاف هو رغبة السنباطي في أن تختتم أم كلثوم الاغنية بأداء صوتي مرتفع وهو ما رفضته أم كلثوم بإصرار.

استمر العناد من جانب السنباطي وأم كلثوم حتى تدخل عازف القانون وقائد الفرقة الفنان عبده صالح ليقنع أم كلثوم بوجهة نظر السنباطي الذي أكد لها أن الجمهور إذا لم يستقبل خاتمة الأغنية بالشكل الذي يرضيها فإنه سيعتزل التلحين.

كوكب الشرق أم كلثوم في إحدى حفلاتهالم تخلُ رحلة خروج الأطلال إلى النور من التحديات، فقد شهدت فترة إعداد الأغنية خلافاً فنياً حاداً بين أم كلثوم والسنباطي، امتد لثلاث سنوات كاملةصورة من: WHA UnitedArchivesWHA_047_0064/Imago

وصدق توقع السنباطي – أعلم الناس بصوت أم كلثوم – واستقبل الجمهور نهاية الأغنية بشكل مذهل دفع أم كلثوم بحسب الروايات للاتصال بالسنباطي في مساء ليلة الحفل الأول وهي تكاد تبكي اعتذاراً للسنباطي عن السنوات التي ضاعت في تأجيل الأغنية بسبب إصرارها على رأيها، لتصبح “الأطلال” ثمرة هذا الصلح الفني التاريخي.

ملحمة مسرح الأولمبيا: باريس تنحني للشرق

“أعطني حريتي أطلق يديَّ.. إنني أعطيت ما استبقيت شيَّ”
“آه من قيدك أدمى معصمي.. لم أبقيه وما أبقى عليَّ”
“ما احتفاظي بعهودٍ لم تصنها.. وإلام الأسر والدنيا لديَّ”

تعد حفلة مسرح الأولمبيا في باريس (13 نوفمبر 1967) المحطة الأبرز في مسيرة أم كلثوم الدولية. جاءت هذه الحفلة في سياق سياسي حساس عقب حرب 1967، حيث قررت “الست” أن تخصص ريع حفلاتها للمجهود الحربي المصري. وكانت هذه التذكرة – وربما لا زالت – هي أغلى تذكرة في تاريخ هذا المسرح العريق.

أم كلثوم تصل إلى مطار لو بورجيه، باريس، 10 نوفمبر 1967دعا مسرح الأوليمبيا أم كلثوم لتكون الفنانة العربية الوحيدة التي تقف على هذا المسرح العريق. وغنت “الست” في الوصلة الثانية من حلفتها الأولى على المسرح أغنية “الأطلال”صورة من: ASSOCIATED PRESS/picture alliance

دعاها مدير المسرح الشهير برونو كوكواتريكس، لتكون الفنانة العربية الوحيدة التي تقف على هذا المسرح العريق. وغنت أم كلثوم في الوصلة الثانية من حلفتها الأولى على المسرح أغنية “الأطلال” لتسحر الجمهور الغربي. وصفت الصحافة الفرنسية حينها الحفلة بأنها “ليلة تجلي شرقية” هزت أركان العاصمة الفرنسية، واعتبرتها صحيفة لوموند حدثاً ثقافياً تجاوز حدود الفن.

“سحر” أم كلثوم

“هل رأى الحب سكارى مثلنا .. كم بنينا من خيالٍ حولنا”
“ومشينا في طريق مقمرٍ .. تثب الفرحة فيه قبلنا”
“وضحكنا ضحك طفلين معاً .. وعدوّنا فسبقنا ظلنا”

كتب الكثيرون عن ذلك الألق والسحر والجاذبية الخرافية التي تتمتع بها أم كلثوم على المسرح. البعض كان يبكي والبعض كان يجلس صامتاً ولا يتحرك قيد أنملة وآخرون يقفون ويصفقون ويطلبون إعادة “كوبليه/مقطع” ما. هكذا كان تأثير أم كلثوم في مستمعيها.

ولعل من لم يحضر تلك الحقبة الزمنية التي تألقت فيها “سومة” لم يتفهم فعلياً حجم هذا التأثير إلا بعد أن ظهر فيلم “حدوته مصرية” للمخرج العالمي الراحل يوسف شاهين، وكان هو الوحيد الذي نجح في تصوير مشهد من حفلة غنائية لأم كلثوم بالألوان عام 1968، وكان اختراقاً كبيراً وقتها.

 كان من المفترض أن يكون المشهد جزءا من فيلم توثيقي بعنوان “سومة” لكن المشروع لم يكتمل بسبب وفاة عبد الناصر ومرض أم كلثوم. وبعد 14 عاماً استخدم شاهين المقطع في فيلمه لتسجل السينما واحداً من أروع المشاهد التعبيرية في تاريخ السينما المصرية، إذ حضر يوسف شاهين إحدى حفلات “الست” فانتقلت إليه العدوى بدوره.

وإلى اليوم لا يعرف أحد كيف نقل شاهين تلك الأحاسيس التي شعر بها وهو يراقب أم كلثوم وهي تغني، إلى الفنان الراحل نور الشريف والذي نقل إلينا بشكل مدهش ما شعر به يوسف شاهين وقتها عندما حضر تلك الحفلة، وهو ما اعتبره كثيرون “تشخيص” دقيق للحالة التي كان يشعر بها حضور حفلات أم كلثوم.

نجوم العالم في محراب “كوكب الشرق”

لم يؤثر صوت أم كلثوم في مستمعيها الذين يفهمون اللغة العربية، بل امتد ذلك التأثير الساحر حتى إلى من لا يجيدون اللغة العربية. فالنجم بوب ديلانوالحائز على جائزة نوبل، عبّر في أكثر من مناسبة عن إعجابه الشديد بها، وقال ذات مرة: “إنها عظيمة حقاً.. إنها تملك تلك القوة التي تجعلك تشعر بالكون في صوتها”.

أما ماريا كالاس أسطورة الأوبرا العالمية، فقد وصفت صوت أم كلثوم بأنه “الصوت الذي لا يُضاهى”، وكانت تندهش من قدرتها على الارتجال لساعات دون كلل، فيما أكد النجم الإنجليزي روبرت بلانت المطرب الرئيسي لفريق(Led Zeppelin)  أن أسلوبه في الغناء تأثر بعمق بأم كلثوم، وأن أغنية “Kashmir” الشهيرة استلهمت روحها من الإيقاعات والمقامات الشرقية التي سمعها في صوت “الست”.

كما نشرت الممثلة الأمريكية آمبير هيرد مقطعاً على حسابها في انستغرام وهي تشاهد أم كلثوم تغني أغنية “فكروني”، وكتبت في وصف الفيديو أن صوت أم كلثوم المفضل لديها.

حنجرة تحت مجهر العلم: دراسات دولية في صوت “الست”

ولم يكن صوت أم كلثوم مجرد موهبة فطرية، بل كان ظاهرة صوتية أثارت فضول الأكاديميين والعلماء في كبرى الجامعات العالمية. ففي دراسات معمقة أجرتها جامعة هارفارد، وتحديداً في كتاب “صوت مصر” (The Voice of Egypt) للباحثة فرجينيا دانيلسون، تم تحليل قدرة أم كلثوم على التحكم في طبقات صوتها (Contralto) وقدرتها الفائقة على أداء “الربع تون” المميز في الموسيقى العربية بدقة مذهلة.

بعد أربعة عقود من وفاتها عام 1975، لا تزال أم كلثوم تُعتبر على نطاق واسع ربما أعظم مغنية عربية على الإطلاق - أرشيفيةلم يكن صوت أم كلثوم مجرد موهبة فطرية، بل كان ظاهرة صوتية أثارت فضول الأكاديميين والعلماء في كبرى الجامعات العالمية. صورة من: CPA Media/Pictures From History/picture alliance

وتشير بعض التقارير العلمية التي تداولتها أوساط أكاديمية (مثل ما ورد في دراسات موسيقية بجامعة أكسفورد بإشراف البروفيسور مارتن ستوكس) إلى أن صوت أم كلثوم كان يتمتع بـ “كثافة طيفية” نادرة. ويُشاع في الأوساط الموسيقية أن حنجرتها كانت قادرة على إحداث ذبذبات تصل إلى 14,000 ذبذبة في الثانية في ذروة أدائها، وهو ما يفسر تلك القوة التي كانت تمكنها من الغناء أمام آلاف الأشخاص دون الحاجة لمكبرات صوت في بداياتها، مع الحفاظ على نقاء مذهل في التعبير العاطفي، ما جعل صوت أم كلثوم تتم دراسته كحالة استثنائية وفريدة في تاريخ الموسيقى.

بعد ستين عاماً، تظل “الأطلال” هي المعيار الذي تُقاس به عظمة الموسيقى العربية. فهي العمل الذي اجتمعت فيه عبقرية الكلمة (ناجي)، وجلال اللحن (السنباطي)، وقدسية الأداء (أم كلثوم). إن النظر بشكل أكثر عمقاً في هذا العمل يكشف لنا أننا لا نتعامل مع أغنية، بل مع ظاهرة حضارية استطاعت أن تضع الموسيقى العربية في قلب الاهتمام العالمي، وتثبت أن الفن الصادق هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

تحرير: عبده جميل المخلافي