على شواطئ مدينة “كان” الفرنسية، تنطلق الدورة الأولى من مهرجان أفلام الذكاء الاصطناعي العالمي (WAIFF)، لتعلن رسمياً عن دخول الفن السابع عصراً جديداً يتداخل فيه الإبداع البشري مع الأكواد الرقمية، وسط موجة عاتية من التساؤلات الوجودية حول مصير السينما
لقد شهدت العروض تجارب بصرية وُصفت بـ “الغرائبية”، حيث تلاعبت الخوارزميات بفيزياء الأجساد والأحداث بطريقة لا تخضع للمنطق الواقعي، مما خلق حالة من الذهول لدى الحضور، تعكس ملامح سينما المستقبل التي لا تعترف بالحدود الفيزيائية أو ميزانيات الإنتاج الضخمة.
واجهة “المشاعر الاصطناعية”
يأتي انطلاق هذا المهرجان الموازي في وقتٍ حساس للغاية، حيث اتخذ “مهرجان كان السينمائي” التقليدي (النسخة العريقة) موقفاً حازماً بحظر الأعمال المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في مسابقته الرسمية لعام 2026. وبررت الإدارة هذا القرار بأن “الإبداع الإنساني لا يمكن استبداله بمشاعر اصطناعية”، في إشارة واضحة للصراع المحتدم على “روح الفن”.
على الكفة الأخرى، يرى المدافعون عن المهرجان الجديد أن الذكاء الاصطناعي ليس “عدواً”، بل هو أداة أدت إلى “دمقرطة السينما”؛ حيث بات بإمكان مبدع شاب من غزة أو القاهرة، يمتلك اشتراكاً في برنامج متطور وسيرفرات سحابية، أن ينافس كبار مخرجي هوليوود في جودة الصورة والخيال، كاسراً بذلك احتكار الميزانيات المليونية.

كيف صنع الذكاء الاصطناعي ثورته؟
بعيداً عن الأضواء، كشف المهرجان عن تحولات جذرية في “مطبخ” الصناعة السينمائية لعام 2026، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
من الكاميرا إلى “هندسة الأوامر”: لم يعد المخرج بحاجة لمواقع تصوير خارجية أو معدات إضاءة معقدة، بل أصبح الاعتماد كلياً على (Prompt Engineering)، حيث يتم توليد مشاهد كاملة كانت تتطلب سابقاً 200 مليون دولار بضغطة زر واحدة.
سقوط “وادي الحيرة”: واجهت الأفلام المعروضة تحدي (Uncanny Valley)، وهو الشعور بالغرابة تجاه وجوه اصطناعية تشبه البشر تماماً لكنها تفتقر للروح؛ إلا أن بعض الأعمال نجحت لأول مرة في تجاوز هذه الفجوة بفضل تقنيات محاكاة “لمعة العين” الإنسانية.

السينما التفاعلية: شهد المهرجان عروضاً لأفلام “حية”، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بتغيير نهاية الفيلم لحظياً بناءً على ردود فعل الجمهور في القاعة أو تصويتهم عبر هواتفهم، ليصبح للفيلم الواحد “ألف نهاية ونهاية”.
حقوق الملكية الفكرية: أعاد المهرجان فتح ملف البيانات المستخدمة في تدريب الخوارزميات، خاصة بعد أن بدت بعض الشخصيات الرقمية شديدة الشبه بأيقونات سينمائية راحلة، مما أثار جدلاً قانونياً حول “إعادة إحياء الموتى” رقمياً.

قلق المخضرمين وطموح التكنولوجيين
وبينما يسارع المستثمرون من شركات التكنولوجيا الكبرى لضخ الأموال في هذه “السينما الجديدة”، عبر عدد من السينمائيين المخضرمين عن قلقهم العميق، معتبرين أن السينما ليست مجرد معالجة بيانات أو “بكسلات” ملونة، بل هي تجربة إنسانية نابعة من المعاناة والرؤية الشخصية، وهي أمور تفتقر إليها الخوارزميات مهما بلغت درجة تعقيدها.
بين الترحيب بالثورة التكنولوجية والتحصن خلف أسوار الفن التقليدي، يفتح مهرجان “كان” للذكاء الاصطناعي باباً لن يغلق قريباً حول مستقبل الفن السابع، في زمن بات فيه الفرق بين الحقيقة والخيال مجرد “أمر نصي”.
