تعصف بجيش الاحتلال الإسرائيلي أزمة عملياتية معقدة في جنوب لبنان، حيث تحولت الطائرات المسيرة الانتحارية التي يطلقها حزب الله إلى كابوس مرعب يطارد الجنود بصفة يومية.

وفي حين تحاول القيادة الإسرائيلية ترويج سردية تتحدث عن “تهديد مستجد”، تكشف تقارير وتسريبات من داخل المؤسسة العسكرية أن ما يجري في ساحة المعركة هو إخفاق منهجي وتجاهل متعمد لتحذيرات استخباراتية مبكرة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

تخبط ميداني وحلول بدائية

بحسب التسريبات التي نشرها المراسل العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي، دورون كادوش، استحوذ هذا التهديد على مساحة واسعة من نقاشات منتدى القيادة العليا في قاعدة “رمات ديفيد”.

وبرزت حالة الإحباط بوضوح في تصريحات العقيد “ع”، قائد لواء المدفعية 282، الذي أقر بصعوبة التحدي العملياتي، وطالب بضرورة التفكير في طرق تنظيم أفضل.

وفي الميدان، يعاني قادة الوحدات القتالية من قلة حيلة واضحة، إذ تقتصر التعليمات الموجهة للجنود على أوامر سطحية تنص على الآتي: “كونوا يقظين، وإذا رصدتم طائرة مسيرة، أطلقوا النار عليها”.

ودفع هذا العجز التكتيكي بعض الوحدات إلى ابتكار حلول يائسة، مثل نشر شباك فوق المواقع والمنازل والنوافذ لاصطياد المسيرات قبل انفجارها، ورغم هذه المحاولات، يعترف ضباط الميدان بأنها مجرد حلول ارتجالية بعيدة كل البعد عن تلبية متطلبات الحماية، في ظل غياب الأدوات الفعالة.

تجاهل التقارير الاستخباراتية

يغوص تقرير موقع “ماكو” الإسرائيلي في جذور هذا الفشل القيادي، ليكشف أن المعلومات بخصوص التهديد كانت متوفرة منذ عام 2020.

وفي ذلك الوقت، نقلت شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) معلومات دقيقة حول توجه حزب الله وحماس لامتلاك مسيرات متفجرة، وتوقعت تعاظم هذا الخطر.

ولم يقتصر الأمر على الغرف المغلقة، بل كتبت الرائد “أ” في أواخر 2020 مقالا تحذيريا في مجلة “معرخوت” العسكرية، تؤكد فيه أن احتكار الجيش الإسرائيلي للأجواء بات موضع شك.

ومع حلول عام 2022، وفي ضوء دروس الحرب الأوكرانية، جرى بناء عقيدة قتالية متكاملة، وأُدخلت أجهزة محاكاة في مركز تدريب الألوية بقاعدة “غوليس” لتدريب القوات على سيناريوهات هجوم المسيرات من منظور الجانبين.

ورغم تدفق المعلومات وتحديث العقيدة القتالية وتوزيعها على القيادة الشمالية والقوات البرية، بقيت هذه الدروس حبيسة أجهزة المحاكاة، ولم تجد طريقها إلى أرض المعركة.

إنكار القيادة ودفع الثمن بالدم

تؤكد شهادات الضباط التي نقلها الموقع الإسرائيلي أن القيادة العليا للقوات البرية الإسرائيلية، وعلى وجه الخصوص تحت إمرة اللواء نداف لوتان، اختارت تجاهل التحذيرات المتكررة فيما يتعلق بمخاطر الطائرات المسيرة الانتحارية.

ورغم قرار المؤسسة العسكرية بشراء شباك مخصصة للتعامل مع مسيرات الألياف الضوئية، فإن هذه المعدات لم تصل إلى جميع الكتائب، ومن استلمها لم يتلقَّ أي تدريب احترافي على استخدامها.

وبلغ الفشل الجوي مستويات غير مسبوقة، لدرجة دفعت رئيس الأركان هرتسي هليفي إلى توجيه “ملاحظة قيادية” وتوبيخ قائد سلاح الجو، اللواء تومر بار، قبل نصف عام.

واليوم، يدفع الجنود ثمن هذه المكابرة على الأرض؛ فإلى جانب مقتل جنود مثل الرقيب عيدان فوكس وإصابة آخرين بجروح خطيرة، كادت إحدى المسيّرات أن تدمر مروحية إسرائيلية في حادثة اعتبرتها المصادر العسكرية بمثابة المعجزة التي منعت كارثة وصورة نصر كبرى لحزب الله.

وتبقى النتيجة الثابتة بشهادة كبار المسؤولين هي أن جيش الاحتلال دخل الحرب مع حزب الله في لبنان بغير أدوات كافية لمواجهة التهديد.

ويواصل حزب الله اللبناني تكثيف هجماته عبر المسيّرات الانقضاضية، لضرب آليات الجيش الإسرائيلي وتجمعات الجنود داخل القرى والمواقع الحدودية، وتشهد هذه المناطق عمليات توغل وأعمال تدمير مبرمجة، ضمن مساعي إسرائيل لإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، تحت ذريعة تأمين مستوطنات الشمال من ضربات الحزب.