ما تركه الشاعر شيركو بيكس من أثر، يعكس مدى فاعلية شعريته في التجاوز، وفي إغناء المشهد الشعري بالمختلف والمثير، والباعث على استقراء المُغيّب من التجديد في الشعر الكردي، ومدى علاقتها بتمثيل تحولاته وأسئلته ومفارقاته، وفي علاقته مع الطبيعة والآخر..
يكتب بيكس وكأنه يحتفل بالحياة، يقترح لها وجودا موازيا، ووعيا صاخبا. يعرف أن للغةِ حمولةً قومية، لكنه يصر على أن يجعلها تتسع في تمثيل حمولاتها الإنسانية، فكان يكتب بالعربية، مثلما يدفع قصائده الكردية إلى الترجمة، باحثا عن الفضاء الشعري، حيث سيولة المعنى، وحيث شراهة تأويله، عارفا أن الشعر يمكن أن يصنع وجودا متعاليا، ونضالا ضد القبح والكراهية والاستبداد..
عندما منحوه نجمة واحدة
كان قد قتل نجمة
وعندما صارت نجمتين
تحولت يداه إلى حبال مشانق
وعندما صارت ثلاث نجمات
ثم تاجاً
ثم رتبة أعلى
استيقظ التاريخ في صباح ما
فوجد البلاد مملكة أرامل.
عبر هذه القصيدة كان يُعلن كراهيته للحرب، يكره رعبها وتوحشها، وتضخم رمزيتها، بوصفها رهانا على الغياب الذي عاشه الكردي عبر أسفاره الملعونة، فحين قرأنا قصائده «مضيق الفراشات» و»إناء الألوان» و»الكرسي»، اكتشفنا مهارة الشاعر وهو يقشّر القصيدة من التاريخ، ومن غبار الوقت، لتبدو شهية في عريها، وفي غنائيتها، وفي رؤيتها للعالم المزحوم حوله بالصراع والعنف، وبالأمكنة الغامضة، والطبيعة التي كانت مكشوفة للعسكر أكثر من الفلاحين والحطابين، فعمد إلى أن يصنع طبيعة شعرية موازية، تتفجر بالصور والأفكار مثلما تنسحب إلى تقصي أساطير الكرد في زمنهم الجبلي، وفي أحلامهم وحكاياتهم، وعلاقتهم بميثولوجيا البطل والعاشق والشيخ والنار والولادة، وكلها تتجوهر حول فكرة «المقدس الإنساني» الذي ينحاز إلى فكرة الخلق، وإلى صياغة ملحمة البطل الكردي وهو يعيش الطبيعة، ويتمرد عليها، في الآن ذاته، حاملا أناشيده وأغانيه وسيرة عشقه الأضحوي على طريقة «مم زين» أو مقاومته الروحية وغنى رموزه على طريقة الشعراء الصوفيين، وعلى نحو يتحول هذا العشق والمقاومة إلى قوة روحية، تعيد صياغة العالم، أو رؤيته، وحتى إعادة كتابته عبر تمثيل أسفار الإنساني واليومي، وعبر الانغمار في زمن الطبيعة، ليس بحثا عن الغامض، بل استيلادا لفكرة الوجود، حيث تحول الشجرة، وإيقاظ الماء، واستدعاء النشيد، وحيث استغواء الذات وهي تبحث عن حريتها وعن وجودها في المكان والهوية، وعن زمنها الذي يتفجر ويتحول ويمور بالرغبات، مثلما يدرك ضرورة المكان واللغة بوصفهما وجودا متعاليا، وشغفا بالمعنى والكينونة، بوصفها جوهر الخلق..

العالم وما يصنعه الشعراء

رغم غموض العالم، وغرائبية صراعاته وحروبه، وقسوة منافيه، إلا أن شيركو بيكس كان يراه متوهجا وواضحا من خلال الشعر، فيمنحه سحر الرؤيا، وطاقة التلذذ بالاكتشاف، والسفر الادويسوسي في مجاهيله، وفي العودة إلى لحظاته الحميمة، حيث تكون «السليمانية» هي «ايثاكا»، وحيث تكون الطبيعة هي الوجود الهيدغري الذي يغويه بوعي بفلسفة المكوث، حتى تتحول الكتابة إلى شغف، وإلى تعرّفٍ عميق على الذات والهوية والمكان، وإلى كشفٍ عن تلك الأنساق المضمرة، الأنساق التي تخفي كثيرا من «المحذوف» وكثيرا من «اليباس» العالق بالذاكرة المجروحة، والسيرة الموزعة بين النفي والاغتراب والعزل، فلا يملك الشاعر إلا أن يحمل قرطاسه لنبش الذاكرة الكردية، وإلى أن يحمل فأسه، كاشفا عن سر علاقة الكردي بالطبيعة، وعن خفايا أسفار أجداده الحطابين، باحثا عن الغائب والممحو، وساخرا من النسيان والموت، فيكتب عن الخلود وكأنه يكتب عن جوهره الكلكامشي، حيث عشبة الخلق، تناظر الأثر الشعري، وحيث التفاصيل تتحول إلى استغراقاتٍ تتوق إلى لذة المعنى، وإلى معرفة الأسرار العرفانية، التي تركها قديسو المعرفة وحاملو فانوس ديوجين.
ثمة أشياء كثيرة ينخرها الصدأ
يلفها النسيان فتموت
مثل التاج والصولجان والعرش
ثمة أشياء أخرى كثيرة
لا تهترئ ولا يلفها النسيان
مثل قبعة وعصا وحذاء شارلي شابلن.
ما بين البقاء والخلود يأخذنا شيركو بيكس إلى قدّاس شعري، أو دهشة تمزج بين الطبيعي والفلسفي، أو بين الوجودي والسحري، وعلى نحوٍ يجعل من هذه الثنائية أكثر تمثيلا لوجع الشاعر وهو يعيش قسوة الفقد، فقد الغياب، والمكان، والطبيعة التي يعشقها، ليجد في لعبة الشعر، وفي تخيلاتها رهانا على وجودٍ أكثر تعاليا، وأكثر شغفا بالمعنى الغائب، والهوية المعلولة بالغياب، غياب الشجرة والغصن، وغياب الحكواتي وبائع الصوف..
لم يكن عمداً.. ولا أدري لماذا؟
في كتابة قصة شجرة
نسيت غصناَ مذبوحاً
كي أذكره ليلاً وفي حلمي
جاءت الشجرة إلى داري
قالت: أخي عتاباً
أنْ تكتب عن شجرة
دون غصنها الكبير الضحيّة..

ما يرثيه الشاعر.. ما تصنعه القصيدة

قصائد شيركو بيكس المكتوبة بالعربية، والمترجمة منها تكشف عن حساسية شعرية، ندرك علاقتها بأسئلة الجدة الشعرية، في استعاراتها، عبر تمثيل روح المدينة، مدينة «المهجر» أو المدينة المتخيلة، ليس هروبا من الطبيعة، بل تحولا في الشاعر، إزاء المكان، وإزاء قضيته الإنسانية، وإزاء التحول في تمثيل اغترابه الوجودي والمكاني، فبقدر ما تبدو هذه القصائد قريبة من هاجس التحديث، في تمثيلها الرمزي، وفي أسلوبها، وفي انفتاحها على ما هو تصويري، وما هو سريالي، فإنه لن يتخلى عن انحيازه إلى شعرية المفارقة، حيث تنفتح تلك المفارقة على ذاكرة متوقدة، تستعير من المدينة/ المكان المتعالي، مثلما كان يستعير من الطبيعة – الجبل، الماء، الغابة، الفراشة، الثلج- سحرها المخبوء بالغامض والمدهش، فتنفتح أساطير الكرد على أسفار وسير وحكايات، فضلا عما تحمله تلك المفارقة من تشكلات، تجعل من تقانة البناء الشعري أكثر تحيزا إلى شعرية الاختزال، حيث الومضة واللقطة، وحيث الصورة والبناء التشكيلي، وحيث تحمل المفارقة لعبة الشاعر وهو يرقب وجوده، ويعيش منافيه، وفنتازيا تحولات القصيدة ذاتها، فقصيدة «الكرسي» المحمولة على ثقلٍ رمزي كبير، انحنت فيه شعرية المفارقة على استغوار أكثر إدهاشا، حيث التعرّف على تحولات الزمن النفسي والوجودي من خلال تحولات زمن الطبيعة، أو من خلال ترقب تحولات الرمز/ الكرسي من زمن لوركا، يتحول إلى قناع الشاعر الذي يشهد موت الجلاد..
إن الكرسي
الذي أجلسوا عليه ذاك الشاعر
وقتلوه.
قد أضحى خيرَ شاهدٍ
على ذلك الجناح،
فقد عاش
ليشهد موت الجلاد
وكيف جلس عليه
العتق..

شيركو بيكس وشعرية التحوّل

ينتمي شيركو بيكس إلى جماعة «روانكة» الشعرية، التي تعني المرصد، ذات الأفق التجريبي في الستينيات من القرن الماضي، والتي جمعته مع عدد من الكتاب مثل «حسين عارف، جلال ميرزا كريم، جمال شارباجيري وغيرهم» وكان بيانهم الشعري نظيرا للبيان الشعري الذي صدر عام 1969 بتوقيع الشعراء فاضل العزاوي وفوزي كريم وسامي مهدي وخالد علي مصطفى.
النزوع إلى التجديد والتجريب كان من أبرز سمات هذه الجماعة، حيث وردت في بيانها الصادر عام 1970، إشارات إلى تمثيل إرهاصات التحول في الثقافة الكردية الجديدة، والاستغوار في تمثيل تحولاتها الشعرية، عبر التجديد في اللغة والرؤية، وفي الانفتاح على موروثات الثقافة الكردية في تراثها، وفي علاقتها بالتاريخ والأسطورة والواقع، وكذلك على مستوى الخروج من معطف «غنائية القصيدة الكردية التقليدية» وروادها الشعراء الشيخ نوري الشيخ صالح، وعبد الله كوران وفائق بيكس، وعلى مستوى حساسية الوعي الوجودي الذي بدا عاصفا في الستينيات، ومفتوحا على إرهاصات التحول البنائي والتجريبي، والانشداد إلى هواجس الوعي «النرجسي» بالهوية، وبأنسنة الطبيعة، وتمثل فكرة الألم الوجودي، عبر تمثيل الوعي الفاجع بالفقد والإحساس بالاغتراب الوجودي واللغوي والهوياتي، وعلى نحوٍ بدت هذه «الشعرية» وكأنها إعلان يقظة فارقة، ليس على مستوى تمثيل الوجود عبر الحكاية الشعبية، وعبر الأسطورة والميثولوجيا الكردية فحسب، بل على مستوى تمثيل اللغة الشعرية عبر التشكيل الملحمي/ البطولي، حيث كتابة سيرة بطل المكان، وبطل السيرة، وبطل اليوميات الذي يجعل من مأزقه في المكان تمثيلا سيميائيا لمأزقه في الوجود، وفي وعي الحرية، وأحسب أن «مطولات» شيركو بيكس الشعرية، كانت رهانا شعريا على الشغف بالتكوين الملحمي، وعلى توظيف «الصراع، الوصف والسرد والتصوير، التاريخ، الطبيعة، الزمن، المكان السردي، البعد الغرائبي»، وهي وحدات تشكل أبنية القصيدة الملحمية، لاسيما في كتابيه الشعريين «أنشودتان جبليتان» و»وادي الفراشات»، اللذين حفلا بقصائد طويلة ذات نفسٍ ملحمي، هي نظير لملحمة الإنسان الباحث عن حريته وذاته المحاصرة بذاكرة الغياب، أو البحث عن وجوده في «المدينة» اليوتوبية، مدينة التحول والصراع، والهاربة من ذاكرة الطبيعة التي عاش قسوتها ودفأها ورعبها الكردي في أسفاره الجبلية.

كاتب عراقي