لقطة من “مقومات الحياة” (موقع مهرجان شيفيلد الرسمي)

اختير الفيلم الوثائقي الطويل “مقومات الحياة” (Life Support) للمخرج الإيطالي دانييل روغو، الذي ساهمت في إنتاجه شركة ميتافورا، للمشاركة في مسابقة تيم هيذرينغتون (Tim Hetherington Award) ضمن الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان شيفيلد الدولي للأفلام الوثائقية (Sheffield DocFest)، أحد أبرز المهرجانات العالمية المتخصصة في السينما الوثائقية، ويقام في مدينة شيفيلد في المملكة المتحدة خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 15 يونيو/حزيران الحالي.

يشارك الفيلم ضمن برنامج الناس والمجتمع (People & Community) في المهرجان، إذ يتناول قضايا الصحة والرعاية الطبية والحروب والنزاعات وحقوق الإنسان. يشهد الفيلم عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات المهرجان، ويروي قصة الأطباء الدوليين الذين تمكنوا من دخول قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في وقت فُرض فيه حصار كامل على القطاع وعُزل عن العالم. وبينما مُنعت وسائل الإعلام الدولية من التغطية وغضّت حكومات عديدة الطرف عمّا يجري، نجح هؤلاء الأطباء في اختراق الحصار وتوثيق ما شاهدوه على الأرض. ومن خلال شهاداتهم وتجاربهم المباشرة، يكشف الفيلم أن ما يجري لا يقتصر على كونه أزمة إنسانية، بل يمثل عملية ممنهجة لتفكيك مقومات الحياة الأساسية واستهدافها.

وفي خطوة استباقية تعكس الثقة الكبيرة في القيمة الفنية والموضوعية للفيلم، وقبل أيام قليلة من عرضه العالمي الأول في شيفيلد، نجح فيلم “مقومات الحياة” في تأمين صفقة توزيع كبرى تشمل المملكة المتحدة وأيرلندا. هذا الاتفاق، الذي يمثل إنجازاً نوعياً للسينما الوثائقية المستقلة، يضمن وصول الفيلم إلى شاشات العرض التجارية ودور السينما المستقلة خارج النطاق المحدود للمهرجانات. ويتيح هذا التوزيع واسع النطاق للجمهور الغربي فرصة نادرة للاطلاع على السردية الحقيقية للأحداث، بعيداً عن التغطيات المجتزأة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام التقليدية. تأمين هذا التوزيع المبكر، كما أشارت التقارير السينمائية المتخصصة، يدل على قوة المادة التوثيقية التي يحملها الفيلم، ومدى إلحاح الرسالة الإنسانية والطبية التي يسعى صناعه لإيصالها إلى الرأي العام العالمي.

يعتمد المخرج دانييل روغو في مقاربته السينمائية على لغة بصرية صارمة تتجرد من المؤثرات الاستعطافية المفتعلة، تاركاً الكلمة والصورة لترويا الواقع بكامل قسوته وحقيقته. واختار روغو أن يكون فيلمه بمثابة شهادة قانونية وتاريخية حية، إذ تتحول الكاميرا إلى أداة لتوثيق الحقيقة من الخطوط الأمامية لانهيار النظام الصحي. يغوص الفيلم الوثائقي في العمق الإنساني للقضية، مستعرضاً قصصاً حية لأطباء وجراحين وممرضين دوليين وجدوا أنفسهم أمام تحديات تتجاوز كل ما درسوه في كليات الطب أو واجهوه في مناطق نزاع أخرى. هؤلاء الأطباء، الذين يمثلون دولاً وثقافات متعددة، يشكلون في الفيلم صوتاً عالمياً محايداً وموثوقاً، ما يسقط أي اتهامات بالانحياز أو المبالغة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.

تكتسب مشاركة الفيلم في مسابقة جائزة تيم هيذرينغتون دلالة رمزية بالغة الأهمية. فهذه الجائزة، التي سُميت تيمناً بالمصور الصحافي ومخرج الأفلام الوثائقية الذي فقد حياته أثناء توثيقه للنزاعات المسلحة، تُمنح للأعمال التي تعكس شجاعة استثنائية في نقل الحقيقة وتبرز التداخل العميق بين الصحافة وحقوق الإنسان.

يتعمق الوثائقي في تشريح مفهوم “الاستهداف الممنهج لمقومات الحياة”، فلا يقتصر الأمر على سقوط الضحايا المباشرين للحرب، بل يتعداه إلى تدمير البنية التحتية التي تجعل الحياة ممكنة. يوثق الأطباء الدوليون في شهاداتهم كيف استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي المولدات الكهربائية، ومحطات تحلية المياه، ومستودعات الأدوية، وصولاً إلى سيارات الإسعاف وغرف العمليات. وينقل تفاصيل مروعة عن اضطرار الجراحين إلى إجراء عمليات بتر أو جراحات معقدة من دون تخدير، وفي ظل غياب تام لأدوات التعقيم الأساسية.