يبدو أن المستقبل الذي تراهن عليه شركات الترفيه العالمية يمر عبر الماضي، فمن الموسيقى إلى السينما والبث التدفقي، تحقق الأعمال القديمة حضوراً متزايداً لدى الجمهور، وتتحول تدريجياً إلى محرك رئيسي للإيرادات والنمو، وقوة اقتصادية تؤثر في قرارات الإنتاج والاستثمار والتسويق داخل صناعة الترفيه، ولم يعد مجرد ظاهرة ثقافية أو موجة عابرة من الحنين إلى الماضي.

وبينما تنفق استوديوهات هوليوود ومنصات البث مليارات الدولارات على المحتوى الجديد، تشير الأرقام إلى أن جزءاً كبيراً من استهلاك الجمهور يذهب إلى أعمال قديمة أعادت التكنولوجيا والمنصات الرقمية اكتشافها.

هذه هي الخلاصة الأساسية التي يطرحها تقرير Retro Revival الصادر عن شركة “لومينيت” التابعة لمجلة “فارايتي” الأميركية، والمتخصصة في بيانات الموسيقى والإعلام، والذي يرصد كيف تحول الحنين للماضي إلى أحد أهم المحركات الثقافية والاستهلاكية في عام 2026.

جيل لم يعش التسعينيات.. لكنه يستمع إليها يومياً

تكشف بيانات التقرير أن المستهلكين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و24 عاماً باتوا يستمعون بصورة متزايدة إلى موسيقى صدرت قبل ولادتهم، وبينما يفترض أن تكون هذه الفئة العمرية الأكثر ارتباطاً بالموسيقى الجديدة، تظهر الأرقام أن جاذبية أعمال التسعينيات وبدايات الألفية تنمو بوتيرة أسرع من كثير من الأغنيات الحديثة.

وبين الربع الثاني من عام 2024 والربع الثاني من عام 2025، ارتفع الاستماع إلى موسيقى التسعينيات بنسبة 8%، فيما سجلت أعمال العقد الأول من الألفية نمواً بلغ 7%، مقارنة بمعدل نمو محدود للأعمال الصادرة في عقد 2010.

ويعكس ذلك تحولاً أعمق من مجرد تفضيل موسيقي، فالأجيال الجديدة لم تعد تستهلك المحتوى وفق التسلسل الزمني التقليدي الذي حكم صناعة الترفيه لعقود، لكنها أصبحت تتعامل مع التاريخ الفني بأكمله باعتباره مكتبة مفتوحة يمكن الوصول إليها بضغطة زر.

في السابق كانت الأعمال القديمة تختفي تدريجياً من التداول مع مرور الوقت، أما اليوم فإن أغنية صدرت قبل ثلاثين عاماً يمكن أن تظهر فجأة أمام مراهق في السادسة عشرة من عمره عبر مقطع فيديو قصير على تيك توك أو توصية من خوارزمية سبوتيفاي أو يوتيوب.

الخوارزميات أعادت الحياة للماضي

وللمرة الأولى في تاريخ صناعة الترفيه، أصبح الماضي والحاضر يتنافسان داخل البيئة الرقمية بالشروط نفسها تقريباً.

فالخوارزميات التي تدير منصات مثل TikTok وSpotify وYouTube لا تميز بين أغنية صدرت أمس وأخرى صدرت عام 1994، ما يحدد انتشار المحتوى هو حجم التفاعل واحتمالات المشاهدة والاستماع وليس تاريخ الإنتاج.

هذه المعادلة الجديدة جعلت المحتوى القديم يمتلك فرصة ثانية للحياة، وقد ساهم ذلك في إعادة اكتشاف آلاف الأغنيات التي كانت تنتمي إلى أرشيف شركات الموسيقى، لتتحول مجدداً إلى أعمال تحقق ملايين الاستماعات والإيرادات.

وتكشف بيانات “لومينيت” أن عدداً كبيراً من الأغاني القديمة حقق خلال عام 2025 معدلات نمو استثنائية، فقد ارتفع الاستماع إلى أغنية Headlock للفنانة إيموجن هيب بنسبة 419%، بينما سجلت أغنية Let Down لفرقة Radiohead نمواً بلغ 685%. كما حققت أغنية Rock That Body لفرقة Black Eyed Peas نمواً وصل إلى 705%، فيما قفزت أغنية August 10 للفنانة Julie Doiron بنسبة 721%.

هذه القفزات لم تكن نتيجة حملات تسويقية تقليدية، بل جاءت في الغالب نتيجة إعادة اكتشاف الأغنيات عبر منصات التواصل الاجتماعي أو استخدامها في أعمال درامية وسينمائية.

وبذلك لم تعد شركات الموسيقى تعتمد فقط على إنتاج النجوم الجدد، لكنها صارت تمتلك مصدراً إضافياً للنمو يتمثل في إعادة استثمار أرشيفها الفني.

الدراما تعيد كتابة تاريخ الأغاني

أحد أهم المحركات وراء عودة الأعمال القديمة يتمثل في العلاقة المتزايدة بين الموسيقى والمحتوى المرئي، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن مسلسلاً ناجحاً قادر على إعادة أغنية عمرها عقود إلى قوائم الاستماع العالمية خلال أيام.

ويعد مسلسل Stranger Things المثال الأبرز على ذلك، فبعد أن أعاد أغنية Running Up That Hill للمغنية كيت بوش إلى الصدارة العالمية بعد نحو 4 عقود من إصدارها، ساهمت المواسم اللاحقة في زيادة الاهتمام بأعمال أخرى تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، فالأعمال التلفزيونية والسينمائية أصبحت بمثابة منصات تسويق عملاقة للموسيقى القديمة، وهو ما دفع شركات الإنتاج الموسيقي إلى إعادة النظر في قيمة كتالوجاتها التاريخية.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن الأغنية القديمة تحولت من مجرد أصل ثقافي إلى أصل مالي قادر على توليد إيرادات جديدة بعد سنوات وربما عقود من إنتاجه.

مهرجانات الحنين

الأمر لا يتوقف على الأغنيات الفردية، بل أن هناك حالة صعود عالمية لمهرجانات موسيقية كاملة قائمة على الحنين، مثل Lovers & Friends وWhen We Were Young وJust Like Heaven، في مقابل تراجع الحماس لبعض المهرجانات المعاصرة مثل كوتشيلا بسبب ارتفاع التكلفة وضعف الجاذبية النجمية وتغير عادات الاستماع.

الفكرة الأساسية أن هذه المهرجانات لا تبيع فقط حفلاً موسيقياً، لكنها تبيع تجربة عاطفية لجمهور من كبار جيل الألفية يمتلك قدرة إنفاق أعلى ويريد استعادة موسيقى المراهقة وبدايات الشباب، سواء في R&B أو Emo أو Pop-Punk أو Indie من الألفية.

هوليوود تراهن على الماضي

الحنين للماضي لا يقتصر على الموسيقى، بل أصبح أحد الأعمدة الرئيسية التي تعتمد عليها صناعة السينما العالمية.

فخلال السنوات الأخيرة، حققت أفلام مبنية على علامات تجارية قديمة أو سلاسل شهيرة نجاحات ضخمة في شباك التذاكر، من Top Gun: Maverick إلى Jurassic World وGhostbusters وBeetlejuice Beetlejuice وربما أخرها Toy Story 5 الذي حقق قبل أيام أعلى افتتاحية في 2026 بـ312 مليون دولار، رغم مرور ثلاثة عقود على انتاج الجزء الأول.

وفي المقابل، تواجه الأعمال الأصلية الجديدة صعوبة متزايدة في جذب الجمهور مقارنة بالأفلام المبنية على شخصيات وعوالم يعرفها المشاهد مسبقاً.

هذا التحول يعكس رغبة الاستوديوهات في تقليل المخاطر التجارية، فعندما تستثمر شركة إنتاج مئات الملايين من الدولارات في فيلم جديد، يصبح الاعتماد على علامة تجارية معروفة أكثر أماناً من تقديم فكرة غير مجربة.

ولهذا السبب تزايدت خلال السنوات الأخيرة موجات إعادة الإنتاج (Reboots) والتكملات (Sequels) والأعمال المشتقة (Spin-offs)، حتى أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية أكبر استوديوهات هوليوود.

لماذا تشتري المنصات مكتبات قديمة بمليارات الدولارات؟

ربما تكمن أكثر نتائج التقرير إثارة للاهتمام في قطاع البث التدفقي، فبحسب البيانات، تستحوذ الأعمال القديمة على النسبة الأكبر من ساعات المشاهدة في معظم المنصات العالمية، إذ تمثل نحو 95% من المشاهدة على Disney+، و94% على Hulu وPeacock، و92% على HBO Max، و89% على Paramount+.

حتى Netflix، التي تعتمد بصورة كبيرة على الإنتاج الأصلي، ما زالت تحقق نحو 60% من ساعات المشاهدة من محتوى قديم.

هذه الأرقام تفسر سبب المنافسة الشرسة بين المنصات للاستحواذ على المكتبات الكلاسيكية، فالأمر لا يتعلق فقط بإضافة محتوى إلى الخدمة، ولكن بامتلاك أصول قادرة على جذب المشتركين والمحافظة عليهم لسنوات طويلة.

وبينما كان ينظر إلى المحتوى القديم سابقاً باعتباره منتجاً انتهت دورة حياته التجارية، أصبح اليوم أحد أكثر الأصول قيمة داخل قطاع الإعلام.

ويشير التقرير إلى أن مسلسلات مثل Friends وGilmore Girls وSuits أصبحت جزءاً مما يعرف في صناعة الإعلام باسم Comfort Viewing، أي المحتوى الذي يعود إليه الجمهور بحثاً عن الراحة والألفة أكثر من البحث عن المفاجأة أو التجديد.

عودة الوسائط المنسية

التقرير يرصد أيضاً عودة ملحوظة للوسائط المادية مثل أسطوانات الفينيل والأقراص المدمجة وأشرطة الكاسيت.

ورغم أن البث الرقمي يهيمن على صناعة الموسيقى، فإن عدداً متزايداً من المستهلكين بات يبحث عن تجربة أكثر ارتباطاً بالذكريات والهوية الشخصية.

فامتلاك نسخة فينيل أو كاسيت لم يعد مجرد وسيلة للاستماع، بل تحول إلى رمز ثقافي يعبر عن الذوق والانتماء لجيل أو حقبة معينة.

وبالنسبة لشركات الموسيقى، يوفر هذا الاتجاه مصدراً إضافياً للإيرادات في وقت أصبحت فيه مبيعات المنتجات المادية تمثل جزءاً من اقتصاد الحنين المتنامي.

الحنين يبيع أكثر

ربما تكون النتيجة الأكثر أهمية بالنسبة للعلامات التجارية هي أن الحنين للماضي لا يؤثر فقط في ما يشاهده الناس أو يستمعون إليه، بل يؤثر أيضاً في ما يشترونه.

وتظهر بيانات “لومينيت” أن المستهلكين الذين يستخدمون الموسيقى لاستحضار الذكريات أكثر استعداداً للإنفاق على الملابس ومستحضرات التجميل ومنتجات العناية الشخصية والخدمات الرقمية مقارنة بمتوسط المستهلكين.

كما أن هذه الفئة تبدي استعداداً أكبر للتفاعل مع الحملات التسويقية المرتبطة بالموسيقى والثقافة الشعبية.

وبالتالي لم يعد الحنين مجرد أداة إبداعية في الإعلانات، وإنما بات استراتيجية تجارية قائمة بذاتها تعتمد عليها الشركات للوصول إلى جمهور يبحث عن الشعور بالألفة والاستقرار وسط عالم سريع التغير.

وماذا عن العالم العربي؟

رغم أن التقرير يركز على السوق الأميركية، فإن المؤشرات تظهر بوضوح أن الاتجاه نفسه بدأ يتشكل في المنطقة العربية.

فأغنيات التسعينيات والألفية تعود باستمرار إلى قوائم الاستماع عبر المنصات الرقمية، فيما تواصل حفلات نجوم مثل عمرو دياب وكاظم الساهر وأنغام ومحمد فؤاد جذب أجيال لم تعاصر بداياتهم الفنية، وحتى موسم الرياض بات يقدم حفلات خاصة لنجوم التسعينات.

كما تشهد الدراما العربية الكلاسيكية موجة إعادة اكتشاف عبر يوتيوب والمنصات الرقمية، من أعمال مثل “ليالي الحلمية” و”المال والبنون” و”لن أعيش في جلباب أبي”، و”باب الحارة”، و”طاش ما طاش” وغيرها.

وفي الوقت نفسه، تمتلك شركات عربية كبرى مكتبات ضخمة من الموسيقى والدراما يمكن أن تتحول إلى أصول اقتصادية متنامية إذا جرى استثمارها بالشكل المناسب.

المستقبل يمر عبر الماضي

بعد سنوات من السعي المحموم وراء الجديد، يبدو أن الجمهور العالمي وجد ضالته في الماضي، فالأعمال التي اعتُقد يوماً أنها أصبحت جزءاً من الأرشيف الثقافي عادت لتتصدر المشهد من جديد، مدفوعة بقوة المنصات الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك.

فالأغنيات التي صدرت قبل عقود تعود إلى قوائم الاستماع، والمسلسلات الكلاسيكية تستقطب ملايين المشاهدين، بينما تتسابق الشركات على استثمار ما أصبح يعرف بـ”اقتصاد الحنين”، لتبدو المفارقة واضحة بأن بعض أكثر الفرص ربحية في المستقبل قد تكون مختبئة داخل الماضي.