تعد النجومية في عالم موسيقى «البوب» تحدياً هندسياً بامتياز، فلكي يبسط الفنان هيمنته على الثقافة العالمية لا يكفيه مجرد كتابة ألحان عذبة تعلق بالذاكرة، بل يتعين عليه تشييد هيكل بنيوي يملي على الجمهور كيف ومتى وأين يتلقى فنه ويتذوقه.

ولعقود خلت، كان المخطط التفصيلي للمسيرة الموسيقية محكوماً بحدود مادية ملموسة: تصنيع أسطوانات الفينيل، وتوزيع الأقراص المدمجة (CDs)، والمساحات المحدودة لمحطات الراديو التقليدية. وفي ذلك المشهد كانت القوة تُقاس بمقدار الندرة (يعني ألا يصدر المغني ألبوماً إلا مرة كل عامين أو ثلاثة) وبالقدرة على جعل العالم بأسره يتوقف ليتأمل صرحاً فنياً واحداً فريداً.

​أما اليوم، فقد تلاشت تلك المنظومة البيئية المادية تماماً، وذابت في التيارات الرقمية اللانهائية لعصر البث التدفقي (Streaming). ولم يعد التهديد الأكبر الذي يواجه الفنان المعاصر هو الافتقار إلى الصقل والإتقان بل الخروج من ذاكرة خوارزمية شرهة وسريعة جداً.

 مايكل جاكسون يقرأ نوتة أحد المشاريع الموسيقية

مايكل جاكسون يقرأ نوتة أحد المشاريع الموسيقية

​ولفهم هذا التحول المزلزل في عالم الموسيقى لا بد من تحليل القطبين الطاغيين والعملاقين اللذين تربع كل منهما على عرش إحدى هاتين الحقبتين المتباينتين؛ إذ بلغ كل من مايكل جاكسون، وتايلور سويفت، ذروة النفوذ المطلق والسيطرة على صناعة الموسيقى، ومع ذلك، فقد وظّف كل منهما قوته لتنفيذ استراتيجيتين متناقضتين تماماً: جاكسون من خلال «هندسة الندرة»، وسويفت من خلال «هندسة التواجد الكلي والمطلق».

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان المحرك الأساسي لصناعة الموسيقى هو اقتصاد التجزئة المادي القائم على هوامش ربح مرتفعة، فلكي يقتني المستهلك ألبوماً غنائياً كان يتعين عليه الانتقال بنفسه إلى أحد المتاجر وشراء قطعة ملموسة من البلاستيك أو الشمع (أسطوانات الفينيل).

وفي ظل هذه البيئة المادية، أدرك مايكل جاكسون حقيقة عميقة وراسخة تتعلق بآليات النجومية وإدارتها اللوجستية: «إذا منحت الجمهور الكثير من تفاصيلك، تبخر السحر».

​ولم تكن فترات الغياب الأسطورية لجاكسون، والتي تراوحت بين أربع إلى خمس سنوات تفصل بين ألبومات الاستوديو — إذ لم يصدر في الثمانينيات سوى ألبومي Thriller عام 1982 وBad عام 1987. وفي التسعينيات ألبومات Dangerous عام 1991 وHIStory عام 1995 وBlood on the Dance Floor عام 1997 — فتراتِ خمول أو ركود فني، بل كانت استراتيجية إبداعية ومؤسساتية مدروسة ومحسوبة بدقة متناهية.

 غلاف ألبوم هيستوري

غلاف ألبوم هيستوري

أولاً، كان جاكسون مثالاً للكمال الصوتي، فلم يكن يكتفي بمجرد كتابة اثنتي عشرة أغنية ليعلن بعدها ولادة ألبوم، بل كان يعكف رفقة منتجيه المشاركين، وعلى رأسهم الأسطوري كوينسي جونز، ولاحقاً تيدي رايلي، على كتابة وتسجيل ما يتراوح بين 60 إلى 80 أغنية للمشروع الواحد.

وكانوا يقضون شهوراً طويلة في نحت الأشرطة الرئيسية المكتملة (Master tapes)، وتعديلها، واستبعاد أجزاء منها؛ يتعاملون مع أغنية البوب وكأنها لوحة ممتدة وجدارية ضخمة من البناء الصوتي المحكم.

​ثانياً، كانت ألبومات جاكسون تُصمم بوصفها حملات ترويجية كبرى «شديدة الضخامة» (Blockbuster) تمتد لسنوات، فنسخة واحدة مثل ألبوم «Thriller» أو «Bad» كانت كفيلة بالهيمنة على صدارة القوائم العالمية لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، مفرزةً بصفة مستمرة أغنيات تتربع ضمن المراكز العشرة الأولى، ومصحوبة بأفلام سينمائية قصيرة (الأغنيات المصورة).

وكانت هذه الحملات تتوج بجولات عالمية هائلة في الملاعب والاستادات الكبرى تحطم الأرقام القياسية، وتستمر الواحدة منها لما يصل إلى 18 شهراً متواصلة. وبحلول الوقت الذي ينهي فيه جاكسون جولته ويتعافى من الإنهاك البدني الصرف، تكون سنوات قد انقضت قبل أن يتمكن حتى من الشروع في كتابة فصله القادم.

​وعبر انتهاج سياسة «تعطيش السوق»، حوّل جاكسون إصدارات ألبوماته إلى أحداث عالمية تاريخية، فعندما كان يُطرح عمل جديد لمايكل جاكسون، لم يكن الأمر مجرد إصدار تجاري عابر، بل علامة فارقة في المشهد الثقافي تستدعي انتباه العالم بأسره وتوحد قواه الاستماعية.

وإذا كانت قوة مايكل جاكسون ضاربة في جذور «الندرة»، فإن قوة تايلور سويفت تستمد نفوذها من «الإغراق السوقي الكامل»، إذ تتحرك سويفت وتنشط في مشهد رقمي للبث التدفقي تحكمه منصات «سبوتيفاي»، و«أبل ميوزك»، و«تيك توك»، حيث يتدفق بين أيدي المستهلكين بحر لا ينضب من الموسيقى المجانية المتاحة بنقرة زر واحدة. وفي عصر البث هذا، لم تعد الندرة تصنع الهالة السحرية أو الغموض، بل باتت تفرز الغياب، والنسيان، والانزواء التام خارج المشهد.