اختارت “يوتيوب” الترويج للأغنية في ساحة ليستر سكوير في لندن (ميوزك إز ماي لايف)

ليس من السهل تجاوز اسم ناصيف زيتون عند الحديث عن جيل المغنين السوريين الذين رسّخوا حضورهم خلال العقد الأخير، فمنذ انطلاقته قبل نحو 14 عاماً، استطاع أن يبني مساراً ثابتاً، مستفيداً من اختيارات موسيقية مدروسة، وحضور جماهيري متنامٍ، وإدارة أعمال عرفت كيف تحافظ على مكانه في سوق غنائي شديد التقلب. ووجد في لبنان البيئة التي انطلقت منها معظم نجاحاته، سواء على مستوى الإنتاج أو الانتشار.

ورغم أن الأغنية العربية تعيش اليوم حالة من التشبّع، فإن أزمة الكليبات تبدو أوضح. فمعظم الأعمال المصوّرة باتت أسيرة الإبهار البصري، فيما تراجعت الحكاية، واختفت البساطة التي ميّزت مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية المصورة. يعود ذلك إلى أسباب عديدة، من بينها تبدل سوق الإنتاج، واتجاه كثير من المخرجين إلى السينما والدراما التلفزيونية، تاركين فراغاً في هذا النوع من الأعمال.

وسط هذا المشهد، يُصدر زيتون أغنيته الجديدة “هدية”، من كلمات وألحان إيفان نصوح، في محاولة للعودة إلى الكليب الذي يروي قصة قبل أن يستعرض الصور. وكشف الفنان أنه أعاد تسجيل الأغنية ثلاث مرات حتى وصل إلى الأداء الذي ينسجم مع الفكرة التي أراد إيصالها، قبل أن يختار المخرج محمد الدايخ لترجمة هذا التصور بصرياً.

تبدأ الحكاية في حي شعبي لبناني. يصل أبو إلياس (يؤدي دوره ناصيف زيتون)، ليلاً على متن صهريج مياه، فيوقظ صوت المضخة سكان الحي، ومن بينهم فتاة تؤدي دورها جينفر عازار. ومن هذا اللقاء العابر، تنشأ قصة إعجاب تتطور بهدوء داخل فضاء مألوف، بعيد عن المبالغات التي اعتادتها الكليبات الحديثة.

لا يحاول محمد الدايخ صناعة عالم مثالي، بل يراهن على تفاصيل الحياة اليومية، الشوارع الضيقة، والبيوت المتلاصقة، وضجيج الأحياء الشعبية، تتحول جميعها إلى عناصر درامية تمنح القصة صدقيتها. وخلال خمس دقائق فقط، ينجح في بناء حكاية مكتملة الأركان، تعتمد على الإيقاع الهادئ وتطور الشخصيات أكثر من اعتمادها على الاستعراض.

تعيد هذه المقاربة إلى الأذهان أسلوب المخرج الراحل يحيى سعادة، أحد أبرز من أسسوا لمرحلة مختلفة في صناعة الكليب العربي، حين جعل من الأغنية امتداداً لحكاية قصيرة تنتمي إلى الناس وبيئاتهم، بدل الاكتفاء بصور منفصلة أو مشاهد استعراضية. ولا يبدو الدايخ مقلداً لسعادة بقدر ما يستلهم فلسفته القائمة على البساطة، والاهتمام بالسيناريو، واللون، والملابس، وتفاصيل المكان.

أما ناصيف زيتون، فيواصل الموازنة بين مواكبة الاتجاهات الموسيقية السائدة والحفاظ على هويته الصوتية. فهو يقترب من الإيقاع الرائج من دون أن يتخلى عن المساحات التي تبرز خامة صوته، ما منحه قدرة على الاستمرار في منافسة جيل جديد يصعد عبر المنصات الرقمية بوتيرة متسارعة، وربما تكمن قيمة “هدية” في أنها تذكّر بأن الكليب يستطيع، متى امتلك فكرة واضحة ومخرجاً يعرف كيف يحكيها، أن يستعيد دوره بوصفه عملاً فنياً يضيف إلى الأغنية، وليس مجرد مادة بصرية ترافقها.