من أعمال الفنانة آنا مينديتا، صفحة المعرض على موقع متحف تيت مودرن

يفتح معرض “آنا ميندييتا” في متحف “تيت مودرن” بلندن قراءة واسعة لتجربة واحدة من أبرز الفنانات اللواتي أسهمن في تطور فن الأرض وفن الأداء خلال النصف الثاني من القرن العشرين. افتتح المعرض أول من أمس الأربعاء ويستمر حتى 17 يناير/ كانون الثاني 2027. ويضم أكثر من 120 عملاً بين أفلامٍ وصور فوتوغرافية ورسومٍ ومنحوتاتٍ وتركيبات، في أول عرضٍ كبير في المملكة المتحدة مخصص لتجربتها منذ أكثر من عقد.

يشكل المعرض، الذي يشرف عليه القيّمان الفنّيان فالنتين أومانسكي ومايك ويلن، بحسب ما يذكره بيان المتحف المحتضن، محاولة لإعادة تقديم مسارٍ فني اعتمد على العلاقة بين الجسد والطبيعة والذاكرة. ويجمع بين أعمال أصليةٍ محفوظة في مجموعاتٍ فنية وأعمال أعيد تنفيذها داخل فضاء المتحف، على نحو يسمح للزوار بالاقتراب من ممارسة فنية ارتبط جزء أساسي منها بأعمال مؤقتة أنجزتها ميندييتا في الطبيعة ثم تركتها للتحول والاختفاء.

وتحتل سلسلة “سيليويتا” (سلسلة الصور الظلية 1973-1980) مركز المعرض، وهي التجربة التي صاغت من خلالها الفنانة مفهوم “الجسد-الأرض”، حيث رسمت حدود جسدها داخل مشاهد طبيعية مختلفة باستخدام التراب والنار والزهور والماء. وقد وثقت هذه الأعمال عبر التصوير الفوتوغرافي والفيلم، لتبقى شاهدة على أعمال لم تكن مصممة للبقاء في شكلها الأول وإنما على التحول باعتباره جزءاً من معناها.

ويعطي المعرض مساحةً خاصةً للأعمال الزائلة التي شكلت جوهر تجربة ميندييتا، إذ يعيد تنفيذ عدد منها داخل تيت مودرن، ومنها “دفن نانيغو” (1976) المصنوع من شموع سوداء طقسية، إضافة إلى إعادة إنشاء أول عمل من أعمال “الجسد-الأرض” أنجزته داخل فضاء عرض مغلق باستخدام الأغصان والأوراق والتراب والطحالب والحجارة. ويطرح هذا الاختيار سؤالاً حول كيفية نقل فن نشأ خارج المؤسسة الفنية، وفي مواقع مفتوحة، إلى قاعة متحف مع الحفاظ على علاقته بالمكان والزمن.

كما يقدم المعرض مجموعة من أفلام ميندييتا التي تكشف تجربتها في استخدام الصورة المتحركة كجزء من لغتها الفنية، ومنها “أوشون” (1981) الذي يصور شكلاً منحوتاً من الرمل على شاطئ كي بيسكاين في فلوريدا، مستحضراً المسافة المائية بين الولايات المتحدة وكوبا، و”جري الطائر” (1974) الذي تظهر فيه الفنانة مغطاة بالريش وهي تتحرك على شاطئٍ خال. ويضم العرض كذلك سلسلة “تغيرات تجميل الوجه” (1972) التي بحثت فيها في تحولات الوجه والهوية عبر استخدام مستحضرات التجميل والشعر المستعار.

ويمتد المعرض إلى مراحل لاحقةٍ من تجربتها، من خلال منحوتاتها الصخرية التي أنجزتها في كوبا خلال ثمانينيات القرن الماضي، ومنها “المنحوتات الصخرية” (1981) المحفورة في الحجر الجيري، والتي استلهمت فيها أشكالاً نسائية مرتبطة بالخصوبة والرموز القديمة، إلى جانب أعمال استوديو مثل “مولودة النيل” (1984) و”الأدغال (بستان الطوطم)” (1985)، حيث واصلت بحثها في علاقة الجسد بالمواد الطبيعية.

يذكر أن آنا ميندييتا ولدت في هافانا بكوبا عام 1948، وغادرت بلدها وهي في الثانية عشرة من عمرها مع شقيقتها بعد الثورة الكوبية، في تجربة تركت أثراً عميقاً في علاقتها بالمكان والانتماء. درست الفن وعلم الآثار في جامعة آيوا بين 1972 و1977، وانخرطت في برنامج “إنترميديا” التجريبي الذي أتاح لها العمل بين النحت والفيديو والأداء. وبعد انتقالها إلى نيويورك عام 1978، شاركت في المشهد الفني للمدينة وانضمت إلى “إيه آي آر غاليري”، أول فضاء غير ربحي تديره فنانات للنساء في الولايات المتحدة.

وقد ظلت وفاة الفنانة ميندييتا عام 1985، عن عمر 36 عاماً، حاضرة في الطريقة التي استقبلت بها أعمالها، بعد سقوطها من شقتها في نيويورك في حادث أثار جدلاً واسعاً وانتهى بتبرئة زوجها الفنان كارل أندريه من تهمة قتلها. ويختار معرض تيت مودرن وضع تجربتها ضمن سياقها الفني، مركزاً على تطور مشروعها وأسئلته المتعلقة بالجسد والطبيعة والمنفى والهوية.