لا تنظر الفنانة الإماراتية صفية العوضي إلى الصحراء بوصفها مجرد كثبان رملية أو مساحة ممتدة من الرمال، بل تقرأها ككائن حي يتبدل باستمرار، ويروي قصصاً صامتة عن التحولات والتغيرات التي تحدث في المكان، فمن خلال مراقبتها الطويلة لتفاصيل وجماليات الصحراء الإماراتية، أعادت بناء علاقتها معها بصرياً، محاولة التقاط ما لا يُرى عادة بالعين المجردة.

وأوضحت صفية أن عملها الفني «خطوط المقاومة» جاء نتيجة مراقبة دقيقة لتحولات المشهد الصحراوي، إذ لم يكن اهتمامها منصباً على شكل الصحراء التقليدي، بقدر تركيزها على كيفية تشكلها وتغيرها مع الزمن.

وخلال رحلة بحثها، استعانت بصور الأقمار الاصطناعية الممتدة إلى عام 2014، لتتابع تغيرات المشهد الطبيعي، ولاحظت كيف تركت الحركة البشرية أثراً واضحاً في المكان؛ فطرق تظهر لسنوات ثم تختفي، ومسارات تتبدل باستمرار.

وخلال متابعتها للمشهد، توقفت عند التحولات التي شهدتها مناطق صحراوية بعد هطول أمطار عام 2024، والتي غيّرت ملامح المكان بصورة لافتة، ففي منطقة القدرة، التي اعتادت زيارتها باستمرار، لاحظت أن المساحات التي كانت في السابق مجرد رمال، بدأت تتحول تدريجياً إلى مناطق أكثر اخضراراً وحياة.

وقالت، إن فضولها دفعها إلى زيارة تلك المواقع وتوثيقها بنفسها، لتكتشف أن التغير لم يقتصر على النبات فقط، بل امتد إلى النظام البيئي بأكمله؛ إذ لاحظت ازدياد أعداد الغزلان وعودة الحياة بصورة مختلفة عما اعتادت رؤيته سابقاً.

وأشارت إلى أن أعمالها الفنية لا تتحدث فقط عن الغزلان أو النباتات بوصفها موضوعاً مباشراً، بل تطرح تساؤلات حول المستقبل، وكيف يمكن للصحراء أن تتغير مع مرور الوقت، مؤكدة أن قوة الصحراء ليست في شكلها الظاهر فقط، بل في قدرتها على التحمل والتكيف والاستمرار.

وفي أعمالها، اختارت الأحجام الصغيرة لتمنح المشاهد إحساساً بأنه يراقب تلك التحولات كما عاشتها هي شخصياً، بينما استلهمت الألوان من أوقات مختلفة قضتها في الصحراء.

حيث كانت تلاحظ كيف يتغير الإحساس بالمكان مع الضوء، رغم أن الرمال نفسها تبقى كما هي. وتصف علاقتها بالصحراء بأنها أقرب إلى حوار صامت، وكأنها كانت تحاول الإصغاء للمكان وجمع إشاراته وتفاصيله الصغيرة، لا إجراء مقابلة معه بقدر محاولة فهمه.

أما اختيارها للألمنيوم كخامة رئيسية في أعمالها، فجاء لارتباطه بفكرة العمل نفسها؛ إذ تصفه بأنه معدن قوي وقادر على التحمل، وفي الوقت نفسه مرن وقابل للتشكل، وهي صفات رأت أنها تنسجم مع الفكرة التي أرادت التعبير عنها، وتعكس طبيعة الصحراء وتحولاتها.

وأكدت أن تجربتها الفنية ما زالت في حالة تطور مستمر، مشيرة إلى أن من أبرز إنجازاتها تصميم نفق ضمن مبادرات مشتركة بين هيئة الطرق والمواصلات في دبي وهيئة الثقافة والفنون في دبي.

وهو المشروع الذي تصفه بأنه محطة فخر مهمة في مسيرتها. وترى أن المشهد الإبداعي في دبي لم يقدم للفنانين دعماً مادياً فقط، بل وفر أيضاً اهتماماً إنسانياً وشخصياً، وهو ما منحها مساحة للتطور والاستمرار.

وتختم برسالة إلى الشباب المهتمين بالفن، مؤكدة أن المجال يحتاج إلى مثابرة وصبر، وإن الفن طريق صعب، لكنه يستحق الإصرار، لأن الفنان في نهاية الأمر لا يعمل لنفسه فقط، بل يحمل مسؤولية تمثيل مجتمعه وثقافته.