كشف السيناريست المصري وائل حمدي أنّ فكرة مسلسل “ورد على فل وياسمين” بدأت قبل نحو 20 عاماً، فيما انطلقت مراحل المعالجة الدرامية مع شريكه في الكتابة عمرو سمير عاطف قبل 18 عاماً، واستغرقت كتابة الحلقات نحو ثلاث سنوات. لكن ما الذي كانا يفعلانه خلال تلك السنوات لكتابة مسلسل لا يتجاوز 15 حلقة؟ جمعا كل معايير النجاح، وكل ما نحب وجوده ضمن أي عمل، سواء أكان مسلسلاً أم فيلماً، أو حتى في الحياة عموماً، داخل “ورد على فل وياسمين”.

كل ما نحبه في التترات، والأحداث المتسارعة، والتفاصيل الرومانسية، والكوميديا اللذيذة، وطريقة تعارف البطلين، وحرفة النساء المفضلة في الأعمال الدرامية (وهي الكوافيرة)، ووظائف الرجال المفضلة لدى الأمهات في الواقع (وهي الأطباء).

تبدأ رحلتنا مع المسلسل من عتبة الشارة؛ بداية مزدحمة بكل كليشيهات الرومانسية الدافئة: ورود متطايرة، وأيادٍ متشابكة، وسيارات كلاسيكية قديمة، وهواتف أرضية، ولقطات بورتريه، وطيور محلقة في السماء الصافية. كل هذا المزيج البصري الحالم يسبح فوق صوت الموسيقى الخالدة للشيخ سيد درويش لأغنية “يا ورد على فل وياسمين”.

تبدأ الحلقة الأولى بإيقاع سريع. تفتتح الكاميرا المشهد بلقطة قريبة على أدوات التجميل والمكياج، لتظهر البطلة إلهام (صبا مبارك) وهي تضع أحمر الشفاه. وفكرة أن تكون أول لقطة لها وهي تضع الحمرة تبدو الخيار الأكثر أنوثة وجاذبية؛ فلو كانت تضع الماسكارا لفتحت فمها، ولو كانت تضع كريم الأساس لما بدا المشهد جذاباً بالقدر نفسه في لقطة قريبة كهذه. تتسع الكاميرا تدريجياً لتكشف عن طفل في الغرفة المجاورة، لنعلم لاحقاً أنه ابنها (كريم) من طليقها.

وبينما تصدح في الخلفية الأغنية المبهجة “يا حلو صبح يا حلو طل”، نكتشف أن حياة إلهام عبارة عن قطار سريع لا يتوقف. كأنها “المسؤولة عن جعل كوكب الأرض مكاناً أفضل للعيش”؛ فهي لا تكتفي بمسؤولياتها الشخصية الكثيرة ومشكلاتها المتراكمة، بل تسحب بساط المسؤولية من تحت أقدام الجميع بشهامة مفرطة يمكننا سماعها: “ح أعدي على شيماء أديها الحلة الكبيرة علشان طابخة محشي النهاردة، أم علاء عيانة راقدة في السرير بقالها يومين، هاخدلها فلوس الجمعية أديها لسحر، وبعدين ح أعدي على صابرين في الخنكة آخذ منها المكواة والسشوار”.

على الطرف الآخر من المدينة، نتعرف إلى البطل طارق (أحمد عبد الوهاب). لا تبدأ لقطة تقديم البطل عليه شخصياً، بل تختار الكاميرا لقطة معبرة جداً لهامستر يدور بلا نهاية في دولابه داخل قفص مجهز بالماء والطعام، على أنغام موسيقى كلاسيكية.

هذا المشهد هو المعادل البصري الأقوى لشخصية طارق. إنه يعيش في روتين صارم ونظام خانق داخل قوقعته الخاصة. والهامستر هنا هو الحيوان الأليف المثالي لشخص مثله؛ فهو متوقع تماماً، لا تصدر عنه حركات مفاجئة، وليست لديه ردّات فعل غير محسوبة أو دراما غير متوقعة كالقطط والكلاب.

تظهر دقة طارق في المواعيد من أول ظهور له تقريباً. فالرجل لا يقدّر الزمن بالدقائق فحسب، بل يبدو قادراً على استخراج دقائق جديدة لم نكن لنكتشفها. فهو لا يحتسب فقط مدة لقائه مع الدكتور في الجامعة أو تجديد الكارنيه بل حتى الوقت الذي سيستغرقه للعودة إلى السيارة!

 

تحيط بحياة طارق شخصيات كاريكاتيرية مبالغ فيها أحياناً، لكنها ليست منفرة. والد طارق (إسماعيل فرغلي)، مثلاً، يتركز همه كله في دفع ابنه إلى مناقشة رسالة الماجستير والحصول على منحة الدكتوراه في ألمانيا. وهو رجل يمتلك ما يمكن أن نخترع له اسماً خاصاً: فوبيا العرقلة. يدير حواراته مع طارق بناءً على معادلات احتمالية معقدة، فلا تسمع منه سوى أدوات الشرط مثل لو وافرض، محاولاً خفض احتمالات الكوارث الأكاديمية والإدارية التي من الممكن أن تعيق المخطط الذي رسمه لابنه إلى الصفر.

أما الأم (سلوى محمد علي)، فتعيش أمومتها العربية الكلاسيكية المعروفة؛ تركز على ابنتها المهندسة المتردّدة التي تؤجل خطبتها في كل مرة، وتُخَوفها دائماً من شبح العنوسة الذي سيستقر فيها ولن ينجح أحد في إخراجه. وفي حال تأخر تنفيذ أي طلب لها أو لم تسمع ما يرضيها فسنسمع الكليشيهات نفسها التي تتشاركها مع كل الأمهات: “هو أنا دايماً طلباتي اللي بتتأجل أو ما بتتعملش خالص؟ أقولك ما تروحش… كسّر كلامي، خلي قلبي يغضب عليك”.

تزداد الشخصيات غرابة مع الأشخاص العابرين في حياة طارق، إلى درجة تقترب من عدم الواقعية، لكننا نحبها ونحب كل من له علاقة ببطلنا؛ من الدكتور عصام المشرف الأكاديمي المتعنّت بطلباته التعجيزية، والموظف في المستشفى، إلى المرأة الكبيرة التي تنتظر دورها في البنك، وحتى مصور رسالة الماجستير الذي يقول له: “كنت ح أبقى دكتور لولا الأحياء… إيه يعني الملوخية كائن حي؟!”.

وهناك الشخص المجهول الذي لا نعرف عنه سوى صوته، يلعب مع طارق “بلايستيشن”، ويمثل مرآة البطل ورغباته العميقة ليكشفه أمام نفسه: “بص على صورها… التلفون معاك”، “هي حلوة؟”، “صعبت عليك ولا بتتلكك عشان تشوفها؟”.

حتى كلامه مع نفسه، ومع الضابط، ومع ديلر المخدرات، بل وحتى حديثه مع “تشات جي بي تي” ومقاطع الفيديو التي تعمل على هاتفه، تبدو امتداداً لهذا العالم الخاص. وذلك بعكس الشخصيات المحيطة بإلهام، التي تبدو مريبة وغير مريحة منذ اللحظة الأولى؛ من طليقها وأخته، إلى الأشخاص الذين تصادفهم في صالون التجميل أو السوبرماركت. شخصيات أقل طرافة وأكثر واقعية.

لكن العمل يتنصل من تلك الواقعية المؤذية في حياة إلهام بإضفاء طابع رومانسي على “البهدلة”. فلو صدقنا المسلسل، فإنّ الميكروباص ليس وسيلة نقل مكتظة بالبشر يتعارك فيها الناس بأكواعهم ويسيحون بعرقهم ليحجزوا لأنفسهم أو لجزء منهم أي مكان داخله، بل مكان مناسب لتسند رأسك على الشباك للتأمل. والتوك توك ليس اختراعاً يختبر أعصاب المواطنين، بل وسيلة رومانسية للتنقل.

 

في الماضي، كان البطلان يصطدمان في ممر الجامعة فتسقط الكتب وتختلط الأوراق. ثم تطورت الدراما قليلاً فأصبحا يتشاجران على سيارة أجرة أو مقعد في قطار. أما “ورد على فل وياسمين”، فقرر تحديث النسخة بما يناسب العصر الرقمي: هواتف ذكية تتبدل.

هكذا، يخرج طارق تدريجياً من عالمه ويدخل أرض الواقع، محتفظاً رغم كل شيء بشخصيته الرقيقة التي تبدو وكأنها وصلت بالخطأ من فيلم مصري أبيض وأسود. ما زال يرتدي البيجامة الكستور المخططة، وما زال يستخدم كلمة حضرتك بكثافة تجعلها جزءاً من هويته الشخصية. حتّى في أكثر لحظات حياته توتراً، لا يتحول إلى شخص عدواني أو صاخب، بل إلى شخص مرتبك يحاول شرح نفسه للعالم بجملته الأشهر: “حضرتك فهمتني غلط… على فكرة أنا دكتور محترم”.

الممتع أن المسلسل يحرص على صدمه بالحياة في كل محطة ممكنة. ليجد نفسه فجأة أمام عالم كامل لم يكن يعرف بوجوده أصلاً. يكتشف أن هناك أشخاصاً يعيشون المرض لسنوات طويلة ويذهبون إلى أعمالهم. وأن هناك مدارس يعتبر فيها وجود سبعين طالباً داخل الفصل أمراً عادياً. سيركب طارق الميكروباصات والتكاتك، ويأكل مسقعة بايتة في بيت إلهام المتواضع. ويتحمل لأول مرة في حياته مسؤولية شخص آخر غير نفسه، شخص لم يرد اسمه ضمن الجداول الصارمة التي كتبها والده له.

أجمل ما في “ورد على فل وياسمين” أنه يتصرف وكأنه مسلسل رومانسي خفيف. ثم يمرر عشرات القضايا الاجتماعية من تحت الطاولة: ضغط الزواج، والعلاقات السامة، والفوارق الطبقية، ومشاكل التعليم، والمرض، والفقر، والطلاق، والتحرش الجنسي، والخوف من العنوسة، ومشاكل الميراث، والخلافات العائلية، والأهل الذين يحققون أحلامهم عبر أولادهم، حتى إنه أعاد الاعتبار لسمعة العمات بعد أن خربتها وسائل التواصل الاجتماعي، فليست كل العمات “أفاعي”.

لهذا أحببنا “ورد على فل وياسمين”. ليس لأنه قدم قصة حب استثنائية لم نر مثلها من قبل، بل لأنه أعاد ترتيب العناصر التي نحبها جميعاً داخل عمل واحد.